تواجه الأسر السودانية العائدة لمنازلها في مدن العاصمة الخرطوم الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان خطراً متزايداً يتمثل في انتشار مخلفات الحرب والذخائر غير المتفجرة، لا سيما في المنازل التي لا تزال مغلقة حتى الآن داخل الأحياء السكنية المكتظة، مما يعوق عودة الحياة الطبيعية وانعدام الاستقرار الذي بات مرهوناً بإزالة هذه التهديدات الصامتة التي تختبئ تحت الركام.
وتواصل وحدة مكافحة الألغام في السودان إزالة مخلفات الحرب بكل صورها المتفجرة وغير المتفجرة في المناطق الحضرية بالخرطوم والولايات التي شهدت نزاعاً نشطاً في ظل تحديات معقدة أبرزها تأثر القطاع بصورة كبيرة جراء النزاع، مما أدى إلى إبطاء وتيرة الاستجابة، فضلاً عن فقدان معدات حيوية وتراجع التمويل.
ساحات موت موقوتة
وأطلق مرصد “بحري لحقوق الإنسان” تحذيراً في شأن الأخطار المتصاعدة التي تهدد المدنيين سواء العالقين أو العائدين نتيجة انتشار مخلفات الحرب والأجسام غير المتفجرة داخل الأحياء السكنية، واصفاً الوضع بأنه تحول خطر يجعل هذه الأحياء ساحات موت موقوتة في ظل تزايد الحوادث المرتبطة بهذه المخلفات.
وأوضح المرصد أن فرقه كشفت عن وجود لغم أرضي غير متفجر في ضاحية الصافية التابعة لمنطقة بحري، مما أثار حالاً من الذعر وسط السكان، فيما شهدت ضاحية السامراب حادثة مأسوية تمثلت في انفجار عبوة ناسفة حملها طفلان بهدف اللعب دون إدراك مدى خطورتها، مما أدى إلى وفاة أحدهما، وإصابة الآخر بجروح خطرة.
في أعقاب ذلك طالب المرصد بتدخل عاجل من الفرق المتخصصة في إزالة الألغام لتطهير المناطق السكنية من هذه المهددات، مؤكداً أن حماية المدنيين من الأسلحة غير المتفجرة التزام بموجب القانون الدولي الإنساني، وناشد الأهالي بضرورة توعية الأطفال بعدم الاقتراب من أي أجسام غريبة أو معدنية، والإبلاغ عنها فوراً، وحمل المرصد الأطراف العسكرية المتحاربة المسؤولية الكاملة عن هذه المخلفات وما تسببه من كوارث إنسانية في المناطق المدنية.
تحذيرات دولية
تشير تقديرات دولية إلى وجود نحو 38 مليون طن من مخلفات الحرب في العاصمة الخرطوم تمتد على مساحة تقارب 22 ألف كيلومتر مربع، فيما تفيد بيانات المرصد الدولي للصراعات والبيئة بأن كل 57 كيلومتراً مربعاً تحوي في المتوسط نحو 100 ألف طن من الحطام.
ولاحقاً حذرت الأمم المتحدة من أن قرابة 14 مليون شخص في السودان يواجهون أخطار المتفجرات بمن فيهم المدنيون والعاملون في المجال الإنساني مع اعتبار الأطفال الفئة الأكثر عرضة للخطر.
وبحسب التقارير الأممية فإن طبيعة الحرب داخل المدن جعلت التلوث بالمتفجرات مقلقاً للغاية، بخاصة في الخرطوم، إذ إن هذه الذخائر تختلط بالأنقاض داخل الأحياء السكنية.
تحدٍّ كبير
من جانبه يقول سامي أبشر الذي يسكن ضاحية شمبات في مدينة بحري “شقيقتي أخبرتني أنها قررت العودة إلى منزلها برفقة أسرتها بعد رحلة لجوء دامت نحو ثلاثة أعوام في دول الجوار، وبحكم قرب منزلها من سكني طلبت مني تهيئة المنزل من الأنقاض والحشائش التي نمت بكثافة في فناء منزلها، وبالفعل جمعت بعض شباب الحي للقيام بعملية النظافة”.
وأضاف أبشر “منذ مغادرة شقيقتي منزلها لم يخطر ببالي تفقده بخاصة بعد وقوع قذيفة بداخله أدت إلى خرابه بشكل جزئي، لكن المفاجأة عندما شرعنا في نظافته بجمع الأنقاض عثرنا على جسم غريب مختبئاً وسط الحجارة، وتأكدنا تماماً بأنه مقذوف غير متفجر وعلى الفور توقفنا عن مواصلة عملية النظافة بعد متابعتنا وقائع مماثلة جرى تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، وقمنا بإغلاق المنزل وأخطرت السلطات المتخصصة لإجراء اللازم لتفادي حدوث أي كارثة محتملة كان من الممكن أن تقضي على حياة عائلة بأكملها، فمثل هذه الحالات هي نموذج للتحدي الكبير الذي يواجه الأسر العائدة، إذ تتحول المساحات الآمنة إلى أماكن محفوفة بالأخطار”.
وأشار المواطن السوداني إلى أن الحادثة أثارت الهلع داخل الحي، إلى جانب تصاعد المخاوف من الأخطار التي تهدد المنازل التي لا تزال مغلقة حتى الآن، إذ إن أصحابها لا يزالون في حال شتات نظراً إلى أن الاستقرار بات مرهوناً بإزالة التحديات الإنسانية في ظل الوضع الراهن، فضلاً عن مثل هذه التهديدات الصامتة التي تختبئ تحت الركام.
بطء الاستجابة
في السياق أشار المتخصص في شؤون الألغام والمتفجرات محمد عبدالرحمن إلى أن “كثيراً من الأجسام غير المتفجرة قد تظل كامنة أعواماً قبل أن تنفجر عند أدنى مؤثر، كما حدث في ضاحية بري شرقي الخرطوم”.
مؤكداً أن إزالة مخلفات الحرب في السودان تتطلب جهداً طويل الأمد، نظراً إلى تعقيدات البيئة الحضرية ونتشار الذخائر بشكل عشوائي.
وأوضح عبدالرحمن أن “نقص التمويل والمعدات الحيوية لا يزال يمثل تحدياً كبيراً، لا سيما أن الاستجابة الحالية على رغم اتساع حجم المشكلة دون المستوى، مما أدى إلى انفجارات في مناطق متفرقة داخل العاصمة الخرطوم، كذلك فإن المخاوف تمتد لتطاول المنازل المغلقة التي تعرضت للمقذوفات المتفجرة وغير المتفجرة باعتبارها موتاً صامتاً ينتظر ملامسته خصوصاً عند عدم الانتباه إليها”.
ومضى المتحدث قائلاً “برنامج إزالة الألغام في السودان تأثر بشكل واسع جراء الصراع، مما أدى إلى إبطاء وتيرة الاستجابة على رغم تحسنها نسبياً في الآونة الأخيرة التي شهدت تطبيع الحياة”.
ولفت المتخصص في شؤون الألغام والمتفجرات إلى أن “المخاوف من مخلفات الحرب تتسبب في عدم العودة الآمنة، في حين أن تحقيق الاستقرار يتوقف على إزالة كاملة لهذه المهددات التي من الممكن أن تزهق الأرواح في أي لحظة”.
حملات توعية
على صعيد متصل أوضح مدير المركز القومي لمكافحة الألغام خالد حمدان أن “أكبر تحدٍّ يواجه المركز هو انتشار مخلفات الحرب داخل الأحياء السكنية وليس في المناطق الطرفية كما كان سابقاً، مما يتطلب فرقاً جديدة ومزيداً من الآلات والأجهزة الحديثة التي جرى تخريبها ونهبها أثناء الحرب بواسطة ’الدعم السريع‘ عند دخولها العاصمة”.
وتابع حمدان “كنا على وشك أن نعلن السودان خالياً من الألغام بحلول عام 2027، لكن بعد تمرد ميليشيات ’الدعم السريع‘ تغير الواقع كثيراً وانتشرت مخلفات الحرب والألغام في ولايات كثيرة، بما فيها الخرطوم”، وأضاف أن “المركز بعد الأخطار الجديدة التي خلفتها الحرب لديه تواصل مع منظمات وطنية وأجنبية لها دور فاعل في تدريب العاملين واستقطاب الدعم من المانحين حتى يتمكن من أداء دوره على أكمل وجه”.
ولفت المتحدث إلى أن “المركز دمر حتى الآن نحو 150 ألف ذخيرة غير متفجرة وكمية من الألغام في ولاية الخرطوم وحدها، وعلى رغم هذا الإنجاز الذي تم في فترة وجيزة بعد مباشرة المركز مهامه، فإن العقبات الماثلة نعتبرها كبيرة أبرزها ضعف التمويل، وقدم السيارات، وفقدان أجهزة الفرق العاملة، مما يستدعي دعماً عاجلاً لتوسيع نطاق العمليات، وإنقاذ مزيد من الأرواح مع تجنب أي تصرف قد يؤدي إلى تفجير غير مقصود لمخلفات الحرب القاتلة”.
