بعد انشقاق أحد قيادات مليشيا الجنجويد الإرهابية، الذي وصف بأنه الرجل الثالث في المليشيا، وانضمامه للجيش المختطف، ومقابلته مقابلة الأبطال الفاتحين ، وتكريمه على ما ارتكب من جرائم بدلاً من محاسبته.
انتشرت بوسائط التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم مقاطع لجنود ينتسبون اليه، يفاخرون من داخل أم درمان بإنتمائهم للمليشيا الإرهابية، وتمسكهم بالقضية (اي مشروع الجنجويد)، وعدم تفريطهم في دماء (الشهداء)، وتوعدهم للفلول، وإصرارهم على تحطيم دولة 56!! ومن يراهم حينها، يعتقد أنها حماسة مقاتل محدود الوعي مغسول الدماغ، مرتبط بمليشيا عشائرية تربطه بها رابطة الدم ، والتبعية لزعامة فتحت الطريق واسعا أمام قوانين حرب قادمة من العصور الوسطى، واسست لمفهوم الغنيمة والنهب والقتل العشوائي وارتكاب جرائم الحرب، تناسب فهم هذا المقاتل وعقيدته القتالية ، المرتبطة بمستوى وعي رعوي محدود نشأ خارج العملية الانتاجية بفعل أزمة القطاع الرعوي والصراع على الموارد.
لكن المتأمل للمقاطع الجديدة مؤخراً، لا بد ان يستوقفه الولاء المعلن لقائد المليشيا الذي تم الانشقاق المزعوم عنه ومن قيادته لا القائد المنشق!!!. ومواكبة هذه المقاطع لأخطر ماورد في خطاب قائد المليشيا الإرهابية في خطابه قبل يومين، وهو تحيته لهؤلاء الجنود بالذات، وإعلان استعداده لارسال زيادة لهم.
وهذا يعني احد أمرين: اما ان المليشيا قد اخترقت الجناح المنشق بعدد مقدر من اصحاب الولاء لها الذين يعملون لمصلحتها، او ان الانشقاق برمته مجرد محاولة للعودة إلى مناطق سيطرة الجيش المختطف مجددا، سواء بتنسيق معه كما تقول نظرية المؤامرة ، او عبر اختراق منظم ومدروس. والمعلوم ان هناك من يتهم الانقلابي المزمن بأنه قد جلب مجموعة قائد الجنجويد المنشق لضمه إلى مليشيا درع السودان وآخرين، بهدف ضرب المشتركة وتقليص نفوذ الجناح المتطرف داخل الحركة الإسلامية المجرمة، حتى يتمكن من تعويم سلطته مع الإسلاميين الواقعيين، وهو امر مستبعد عند التدقيق فيه!!.
برغم ذلك لا يمكن تجاوز أن قائد الجنجويد المنشق أعلن جماهيريا بأنه لم يستسلم بل انضم للجيش المختطف (يقصد الانضمام لهذا المعسكر لا للجيش نفسه)، وهو محق في تصريحه لأنه احتفظ بقوته وتسليحه وزيه وعقيدته القتالية ومنهوباته ، وتم السماح له بالإفلات من العقاب وتكريمه تكريم الأبطال. كذلك لا يمكن تجاوز احتمال حدوث احتكاكات بينه وبين المشتركة في الخرطوم ، بإعتبار انه كان قائد المليشيا الإرهابية عند الاستيلاء على الفاشر التي حدثت فيها جرائم حرب موصوفة وفظيعة أقلقت مضاجع العالم برمته، وقعت على أهل وعشيرة أبناء المشتركة.
أيضاً لا يمكن استبعاد اشتباك المجموعة المنشقة مع مليشيات الحركة الإسلامية المجرمة، إذا أخذنا في الاعتبار الشحن الزائد لمقاتليها ضد هذه الفئة ومحدودية وعيهم السياسي بما في ذلك قائدهم الذي افصح عن إمكانيات محدودة جداً في مؤتمره الصحفي الفاضح.
والسياق بالطبع لا يؤيد نظرية المؤامرة والاتفاق بين قيادة المليشيا المجرمة مع الانقلابي المزمن، لأنه افصح عن هجوم واسع بالمسيرات ، استهدف مطار الخرطوم ، ومراكز قيادة الجيش المختطف بما فيها وادي سيدنا، و مستودعات المحروقات في عدد من المدن، فوق استهداف منزل أسرة قائد مليشيا درع السودان وتصفية عدد من أفراد أسرته، الذي حاول متحدثي مليشيا الجنجويد الإرهابية انكاره في البداية و نسبته إلى الصراع في معسكر السلطة غير الشرعية.
وفوق ذلك وبالإضافة اليه، مازلنا نشهد محاولات الجنجويد للتوسع في النيل الأزرق، وخطاب التصعيد من منسوبيهم على وسائط التواصل الاجتماعي، وإعلانها المتكرر عن تجديد تسليحها، وخطاب زعيمها الأخير الذي يحمل في طياته تعزيز سلطته في أماكن سيطرتها ووضع برنامج اقتصادي اجتماعي متكامل في تلك المناطق، يجعل منه سلطة مستدامة.
وهذا ليس بخطاب من يسعى إلى تنسيق تامري يعيد به صياغة المعادلة وان أتى في حالة ضرورة او رغبة في تغطية التآمر – أن وجد.
فخطابه على ضعف ترتيبه وعشوائيته- وهذا مؤشر نسبي على مصداقيته- يفصح عن رغبة في التحول إلى سلطة مستدامة في مناطق سيطرته ، ربما لأربعين عاما اذا رغب الجيش المختطف في مواصلة القتال حسب مضمون خطابه، كذلك يفصح عن استعداد عسكري كبير برغم تقليصه لعدد قواته من مليون فرد في خطاب سابق له إلى اقل من النصف حالياً. والأرجح ان الرقمين أتيا في اطار المبالغة والحرب النفسية، لكنهما يعكسان نفسية الاحتفاء بالعدد ونوعية المقاتل وتغليب العامل البشري في المعركة.
وتوجه الخطاب الذي حوى رغبة في السلام ومحاولة متكررة للتنصل من المسؤولية عن الحرب، توجه تعبوي تحريضي، خصوصا انه تم في حضور قيادات عسكرية ولم يكن خطابا جماهيريا وسط مدنيين، وبذلك يكون في جانب ما تنويرا لعمليات عسكرية قادمة على الأرجح، أو تعزيزا وإعلانا للهجوم الواسع الحالي، لأن توقيت الظهور ظاهر وساند هذا الهجوم بالتحديد.
والواضح هو أن المليشيا الإرهابية تريد ان تقول بأنها لم تتأثر بالانشقاق، وان المجموعة المنشقة ما تزال تحت سيطرتها وان خرجت قيادتها مغاضبة، لأن الجنود مازالوا موالين لقيادتها، وان هذه القيادة مازالت تعتبرهم جنودها وتبعث لهم بالتحية وتعدهم بإرسال المزيد. ولا نظن ان هذا من باب الحرب النفسية، وبالتأكيد استخبارات الجيش المختطف تعلم ذلك وتراقب هذه المجموعة ومنسوبيها. لذلك يبقى السؤال ما هي فائدة هذا الانشقاق؟ والرد الذي يردده متحدثي معسكر البلابسة هو ان الانشقاق يضعف المليشيا الإرهابية ويقوض اساسها القبلي، وتبرير فقهاء السلاطين للاحتفاء به هو انه يأتي في اطار مصارف الصدقات لأنهم مؤلفة قلوبهم! ولكن يبقى السؤال الأهم: هل يتناسب ذلك مع مستوى الخطر الأمني الذي تشكله هذه المجموعة المنفلتة التي ارتكبت جرائم بشعة وتحمل عقلية اجرامية راسخة على مواطني العاصمة؟ وهل من الممكن ان يأمن لها المواطن العادي وهي تتحين الفرص لنهبه مجددا وشفشفته؟ دعك بالطبع من حديث قائدها المضحك المبكي من انه أتى للعمل من اجل إنهاء الشفشافة دون ان يتحفنا بتعريف من هم وهو الخبير بذلك.
عموماً ماذكره زعيم الجنجويد في خطابه عن منسوبي المجموعة المنشقة وتحيته لهم ووعده لهم بإرسال المزيد، يثير المخاوف وان جاء من باب محاولة إثارة هذه المخاوف تحديداً. وهي مخاوف لا تزيلها محاولات الجيش المختطف الإيهام بأن هذه المجموعة تحت السيطرة ، لأن المعلوم بأن الوضع هش، والمسيرات تضرب عمق المناطق الاستراتيجية بالعاصمة والأقاليم، وهو فشل في السيطرة على هذه المليشيا الإرهابية من قبل ، فما بالك إذا اندلعت حرب مليشيات الان في ظل اضمحلال الدولة ونذر زوالها بالكامل، وبكل تأكيد ان من جرب المجرب حاقت به الندامة.
ويبقى أن ندعو لأهلنا الطيبين بالسلامة والنجاة من كل شر، وأن نقول لهم بأن خلاصهم في جبهتهم القاعدية، التي تكنس جميع أطراف هذه المعادلة العسكرية إلى مزبلة التاريخ.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!