كان السودانيون ينتظرون من بعض الصحفيين والفنانين والدبلوماسيين، وغيرهم من أهل القلم والرأي والثقافة، أن يكونوا صوتا للحقيقة في زمن الالتباس، وأن ينحازوا إلى الضحايا لا إلى السلطة، وإلى الوطن لا إلى الحاكم. لكن بعض من قدموا أنفسهم لسنوات بوصفهم رموزا وطنية اختاروا، عند أول اختبار حقيقي، أن يضعوا مواهبهم وخبراتهم وعلاقاتهم في خدمة رجل ارتبط اسمه بأكثر المحطات قتامة في تاريخ السودان الحديث.
عبد الفتاح البرهان ليس شخصية عابرة في المشهد السوداني. فهو رئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة بعد سقوط عمر البشير، والقائد العام للقوات المسلحة حين جرى فض اعتصام القيادة العامة، والانقلابي الذي أطاح بالانتقال المدني في 25 أكتوبر 2021، والرجل الذي عطل مسار تفكيك دولة الحركة الإسلامية، ثم أعاد فتح الأبواب أمام رموزها ليعودوا إلى واجهة المشهد السياسي والأمني والإعلامي.
في عهده، تعثرت العدالة، وتراجعت الثورة، ثم انزلقت البلاد إلى حرب مدمرة شردت الملايين ودمرت المدن ومزقت النسيج الوطني.
ومع ذلك، خرج علينا من كانوا يحدثوننا عن الحرية والجمال والوطن ليقدموا البرهان في صورة القائد الملهم والمنقذ التاريخي.
بعضهم صحفيون كانوا يطالبون بالمحاسبة، فإذا بهم اليوم يبررون ويزينون ويغضون الطرف عن الدماء. وبعضهم فنانون تغنوا للثورة، فإذا بأصواتهم تتحول إلى موسيقى تصويرية لمشهد الخراب.
وبعضهم دبلوماسيون يعرفون كيف تنهار الدول، لكنهم فضلوا أن يكونوا شهود زور في لحظة كان الوطن أحوج ما يكون فيها إلى كلمة صادقة.
وإلى جانب هؤلاء، انضم كتاب ومثقفون وأكاديميون وشخصيات عامة كان الناس يظنون أن رصيدهم الرمزي سيجعلهم أكثر وفاء للحقيقة، فإذا بهم يضعونه في خدمة السلطة.
ما يفعله هؤلاء ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل سقوط أخلاقي كامل. لأن الدفاع عن البرهان لا يعني الدفاع عن الجيش ولا عن الدولة، بل الدفاع عن سجل سياسي مثقل بالدماء والإخفاقات والفرص المهدرة.
الوطنية ليست وظيفة بأجر، ولا قصيدة مدح، ولا مقالا مدفوع الثمن، ولا تصريحا يبحث عن رضا السلطة.
الوطنية موقف أخلاقي يتجلى حين يكون قول الحقيقة مكلفا.
أما الذين باعوا أقلامهم وأصواتهم وسمعتهم في سوق السياسة، فلن ينقذهم التصفيق المؤقت من حكم التاريخ.
وحين يهدأ الغبار، لن يتذكر الناس كثرة ما كتبوا أو غنوا أو صرحوا، بل سيتذكرون أنهم، في ساعة الاختبار، اختاروا أن يكونوا مأجورين في بلاط البرهان.