حرب السودان تدمر الغابات وتحولها إلى أرض جرداء

مشاوير - تقرير: نوح آدم هدو

فقد السودان خلال ثلاثة أعوام من الحرب الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” مساحات شاسعة من الغابات البكر في ظل دمار كبير لحق بالأشجار بالعاصمة الخرطوم ومدن عدة بولايات البلاد جراء ظاهرة القطع العشوائي التي تفاقمت بسبب تطاول أمد الصراع المسلح، فضلاً عن أزمة غاز الطهي بعد انعدامه في محال التوزيع وتوقف مصفاة النفط الرئيسة بمنطقة الجيلي شمال مدينة بحري عن العمل، إذ تغطي 50 في المئة من إنتاج الغاز للاستهلاك المحلي.

المعاناة طاولت السكان من دون استثناء ودفعت كثيراً من المواطنين إلى العودة للاحتطاب البدائي وأجبرتهم على قطع أشجار الغابات بأقاليم السودان المختلفة من دون تفرقة بين يابسها أو أخضرها لاستخدامها كوقود للطهي وإعداد الوجبات، علاوة على جمع الأخشاب وبيعها في الأسواق وكذلك رواج تجارة الفحم النباتي المربحة التي دفعت التجار إلى زيادة وتيرة إنتاجه بصورة شكلت خطراً على الغطاء الشجري، إلى جانب ارتفاع منسوب خطر مضاعفاتها البيئية.

ركائز أساسية

ويُعد السودان واحداً من أكبر الدول في إفريقيا والعالم الغنية بالموارد الطبيعية، سواء الغابات أو الثروات المائية أو المعادن، وهي موارد شكّلت عبر عقود طويلة أساساً للحياة ومورداً مهماً للاقتصاد الوطني والناتج القومي.

ومن بين هذه الموارد الطبيعية، تبرز الغابات باعتبارها إحدى الركائز الأساسية التي اعتمد عليها السودان والسودانيون، لما تمثله من ثروة بيئية واقتصادية كبيرة قلّ أن تتوفر بهذا التنوع في كثير من الدول الإفريقية والعربية، وذلك بفضل الموقع الجغرافي المميز للسودان وسط حزام الأمطار وعلى امتداد النيلين.

تداعيات الحرب

وألقت تداعيات الحرب بظلالها الثقيلة على هذا المورد الحيوي، حيث تعرضت الغابات لأضرار واسعة نتيجة الإهمال الإداري، وعمليات القطع الجائر، وتوقف أعمال الرعاية والمتابعة الفنية، إلى جانب استغلالها كمصدر مباشر لتأمين سبل العيش اليومية في ظل التدهور الاقتصادي والإنساني الذي خلفه النزاع.

في السياق يقول خبير الغابات الشيخ سعد مصطفى لمنصة (مشاوير) إن “المستعمر البريطاني بدأ منذ العام 1903م في إنشاء إدارة خاصة بالغابات في كل من دنقلا وسنار ومدني، لخدمة أغراضه المرتبطة باستخدام خشب السنط في توليد الطاقة للوابورات النيلية بين مصر والسودان.

وأضاف أن “التوسع لاحقاً في تشييد خطوط السكة الحديد اعتمد بصورة كبيرة على منتجات الغابات، خاصة في صناعة الفلنكات المستخدمة في عمليات التشييد.

وأشار إلى أن “الإدارة الاستعمارية أجرت أيضاً عمليات مسح واسعة لمناطق إنتاج الصمغ العربي، وأنشأت إدارات متخصصة لحزام الصمغ العربي، نظراً لأهميته الاقتصادية كمصدر رئيسي للعملات الصعبة، كما أوضح أن مدرسة الغابات بالمقرن تُعد أول صرح تعليمي متخصص في هذا المجال، إذ أُنشئت عام 1925م بهدف تأهيل الكوادر ورفع قدرات العاملين والمتخصصين لتحسين إدارة الغابات وتعزيز مساهمتها الاقتصادية على المستويين المحلي والخارجي.

تطور كبير

وأوضح سعد أن “قطاع الغابات شهد لاحقاً تطوراً مؤسسياً وتشريعياً مهماً، حيث تمت إجازة قانون الهيئة القومية للغابات عقب دراسات ومشاورات موسعة شاركت فيها مؤسسات علمية وبحثية متخصصة، من بينها معهد أبحاث الغابات، وكلية علوم الغابات والمراعي، وكلية الغابات بجامعة الخرطوم، وهيئة البحوث الزراعية، إلى جانب المجلس القومي للموارد الطبيعية، وذلك بهدف وضع أسس علمية لحماية الموارد الغابية وإدارتها بصورة مستدامة.

غابات السودان

ونوه بأن “هذه الجهود قادت إلى تنفيذ عدد من المشاريع المدعومة من منظمات دولية، مثل مشروع إعادة تعمير حزام الصمغ العربي، ومشروع تنمية الموارد الغابية، ومشروع تطوير حطب الوقود، إضافة إلى مشاريع مكافحة زحف الرمال والتصحر، وهي مشاريع ساهمت في رفع الوعي البيئي لدى المجتمعات المحلية وتعزيز أهمية إدارة التنوع الحيوي والحفاظ على الأراضي والغطاء النباتي.

وأردف “الغابات رفدت خزينة الدولة بالعملة الصعبة عبر إنتاج الصمغ العربي، الذي يُعد من أهم الموارد الاقتصادية في السودان، إلى جانب صادرات الأخشاب ومنتجات الغابات الأخرى.

ولفت إلى أن “الحرب تركت آثاراً كبيرة على الغابات المحجوزة والمحمية، موضحاً أن غابة المقرن بولاية الخرطوم تعرضت للإزالة بشكل شبه كامل، كما تضررت غابات الجزيرة وسنار، إلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بغابات ولايات دارفور وكردفان نتيجة القطع الجائر والحرائق، فضلاً عن تعطيل عمليات حصاد الصمغ العربي طوال فترة الحرب.

خطط الإعمار والتأهيل

من جانبه، قال المتخصص في شؤون الغابات مصطفى الحاج عثمان لمنصة (مشاوير) إن ” إعادة تأهيل الغابات عقب توقف الحرب في السودان يتطلب خطة وطنية شاملة تقوم على العمل العلمي والمؤسسي والمجتمعي معاً.

وأوضح أن “الخطوة الأولى تتمثل في إجراء مسوحات ميدانية دقيقة لحصر حجم الأضرار التي لحقت بالغابات والمراعي، وتحديد المناطق الأكثر تضرراً، حتى تتمكن الجهات المختصة من وضع برامج إسعافية عاجلة وخطط طويلة المدى لإعادة التأهيل.

وأضاف أنه “من الضروري إعادة تفعيل المؤسسات المختصة بالغابات والبيئة، وتوفير الدعم الفني والمالي لها حتى تتمكن من أداء دورها الرقابي والتنفيذي، بجانب تشديد القوانين التي تمنع القطع الجائر والتعديات على الغابات المحجوزة.

وشدد عثمان على أهمية التوسع في مشروعات إعادة التحريج واستزراع الأحزمة الشجرية، بخاصة في المناطق التي تعرضت للقطع الكثيف أو الحرائق، مع تشجيع استخدام الطاقات البديلة مثل الطاقة الشمسية والمواقد المحسّنة لتقليل الاعتماد على الحطب والفحم.

وأشار إلى أن “نجاح أي خطة لإعادة التأهيل يرتبط بصورة مباشرة بإشراك المجتمعات المحلية في حماية الغابات وإدارتها، باعتبار أن السكان المحليين يمثلون خط الدفاع الأول عن الموارد الطبيعية، إلى جانب ضرورة دمج البعد البيئي في برامج إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب.

وفي حديثه عن مستقبل الغابات في السودان بعد الحرب، وما إذا كانت هناك إمكانية حقيقية لإعادتها إلى وضعها الطبيعي وترميم الخسائر التي لحقت بها، أكد المتخصص في شؤون الغابات أن “المستقبل سيظل مرتبطاً بمدى اهتمام الدولة والمجتمع بحماية الموارد الطبيعية خلال مرحلة ما بعد الحرب.

وأوضح أن “حجم الأضرار التي لحقت بالغابات كبير جداً، خاصة في مناطق الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، نتيجة القطع الجائر والحرائق والضغط السكاني المتزايد بسبب النزوح.

ونوه بأن “عملية التعافي لن تكون سريعة، بل تحتاج إلى سنوات من العمل المستمر في مجالات إعادة التحريج وحماية الموارد الطبيعية ونشر الوعي البيئي، مع دعم المجتمعات المحلية ببدائل اقتصادية تقلل اعتمادها المباشر على الغابات.

تأثيرات بيئية

على الصعيد نفسه، رأي الخبير البيئي والمحاضر بقسم علوم البيئة بجامعة أم درمان الأهلية، خالد الحسن، أن الحرب في السودان أدت إلى ضغط هائل على الموارد الطبيعية والغابات نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار الخدمات الأساسية.

ويوضح أن “انقطاع الكهرباء وندرة غاز الطهي دفعا المواطنين للاعتماد بصورة متزايدة على الحطب والفحم كمصدر بديل للطاقة، الأمر الذي تسبب في توسع عمليات القطع الجائر للأشجار، خاصة في الحزام الأخضر حول الخرطوم وبعض ولايات دارفور وكردفان.

ويضيف أن “النزوح الجماعي إلى المناطق الآمنة نسبياً ضاعف الطلب على المياه والحطب ومواد البناء، ما أحدث ضغطاً كبيراً على النظم البيئية المحلية، كما ساهم التدهور الاقتصادي وفقدان مصادر الدخل في لجوء بعض الأسر إلى الاتجار بالفحم والحطب كمصدر رزق، الأمر الذي فاقم من استنزاف الغابات.

ويشير أيضاً إلى أن العمليات العسكرية والحرائق الناتجة عن القصف والمعارك أتلفت مساحات واسعة من الغابات والمراعي، خاصة في ولايتي الجزيرة وسنار.

وتابع “تدهور الغابات في السودان ستكون له انعكاسات بيئية خطيرة على المدى القريب والبعيد، أبرزها تسارع معدلات التصحر وتدهور الأراضي الزراعية نتيجة فقدان الغطاء النباتي الذي يحمي التربة من التعرية والانجراف.

ويؤكد أن “المناطق الهشة بيئياً مثل دارفور ستكون الأكثر تأثراً، ما قد يهدد الأمن الغذائي ويزيد من حدة الفقر والنزاعات حول الموارد.

Exit mobile version