السُودان: ما فيِه من رمقٍ.. أم ما تغشاه طيف نعاس؟!  

الجميل الفاضل

يقفُ السودانُ اليومَ متكئاً على آخرِ ما تبقّى من ظلالِ أشباحه، كجسدِ أبقتهُ هيبةُ الأجداد واقفاً حتي بعد أن ظُنَ أن غادرتْهُ الروح، تأكلُ دابةُ الأرضِ منسأتَهُ في صمتٍ، والأنس والجن يبحلقون من حوله يدقون يدا بيد، لا يدرون: أما فيهِ من رمق.. أم ما تغشاه مجرد نعاس؟.

فالسودان بلادٌ يُخيَّلُ للناظرِ اليها أنّها ما تزالُ تمشي، فيما خطاها تُشبهُ خطى غريقِ؛ يلوّحُ بيدٍ للنجاة من بعيد، ويخفي أخري كأنما تجرها دوّامةُ الأقدار نحو قاع سحيق.

ولذا فإن الحربُ التي هبطتْ على الخرطوم في أبريل، لم تكنْ سيفاً شقَّ جسدَها الضامر، بقدرِ ما كانتْ مرآةً كشفتْ عطبَها التاريخي المزمن.

وللحقيقة فالسودان دولةُ عدها أعداؤها منذ حين في عداد الأموات، لكنّ أحداً لم يجرؤ على الاقترابِ مما توهموه نعشها المسجي.

كانتِ الخطبُ تدوي حولها عاليةُ، ونياشينُ ضباطها البراقة تبدو لامعة كسراب، وأهازيج “قوناتها” تُقرَعُ كطبولِ جوفاء في مواسمِ القحط والجفاف، كأنها عطـر حنوطٍ، يُرشُّ قبل أوانه على جسدٍ لم يقطع بحياته أو موته بعد.

هو بلد يبيتُ فيهِ الجائعُ ساهراً على بطنِه، والخائفُ ساهراً على قلبِه، والأمُّ ساهرةً خلف الباب، كأنّ ليلَه قد صارَ حارساً لمأتمٍ طويل.

عموما فمع كل هذه العلل التي ظلت تحاصره، خرجت من تحت رماده أرواحٌ صغيرةٌ تشبهُ العشبَ حين يفاجئُ الحجر، “غرفُ طوارئ”، و”لجانُ مقاومة” و”نساء حارسات”، حملوا بلادَهم بأصابعَ حانية، حين سقطتْ سهوا أو عمدا من يدِ الدولة.

كانوا كالماءِ إذا تقطعَ النهر بركا، وكالضوءِ إذا أطفأتِ عاصفةُ الريح مصابيحه.

بيد أن سدنةَ الحرب كانوا قد أحاطوا تلك العقول ذاتها بأسوارٍ من الوهم، موحين بإشارات مخاتلة:

إيّاكم والقيادة رأسا، إيّاكم والرمز، إيّاكم أن تتحوّلوا من خبزٍ للفقراء إلى حلم للبلاد.

ليظنَّ هؤلاء الفاعلين أنَّ طهارتهم في التلاشي، وأنَّ الفضيلةَ أن يبقوا مجرّدَ ظلالٍ بلون الحياد في تكايا الحواري، لا وجوهاً تقرر مصيرِ البلاد.

رغم أنّ السياسةَ بطبعها لا تحتملُ الفراغ، فإذا غابَ عنها هؤلاء القادمون الي الغد، عادَ لها اولئك القدماءُ المنكفئون علي الأمس، يتوكّأون على عصا استبدادهم وبطشهم المعهود.

هكذا، ظلّتِ المنسأةُ واقفةً، لا لأنّها قويّة، لكن لأنّ الذين رأوا تصدّعَها لم يدفعوها الي السقوط.

فيما الناسُ في بلدي ينتظرون السلامَ كما ينتظر الظمآن هطول القطر، رغم خوفهم من مغبة أي طريقَ تظلله غيوم ثقال.

كأنهم يريدون تغييرا بغيرِ نارٍ تمسُّ الأكف، ويرجون فجرا من غيرِ أن يعبروا عتمتَهُ الطويلة.

كأنّ الأوطانَ تُولدُ عندهم بالدعاءِ وحده، لا بالوجعِ والصبرِ والتضحيات.

فللسَّلامِ ثمناً مُرّاً، لا بدّ من دفعِه كاملاً:

كي تُقتلعَ دولةُ الامتيازِ من جذورها، وكي يعودَ السلاحُ حارساً للناسِ لا متعهداً بقتلهم.

وكي يولدَ عقدٌ جديد، لا يسألُ القادمَ فيه من أيِّ الجهاتِ جاء، أو من أي الأصلاب تحدر.

عموما فبينَ غمضةِ عينٍ وانتباهتِها، سيقعُ في ظني انكسارُ كبير.

إذ أن المنسأةُ التي نخرتها دابةُ الأرضِ لن تصمدَ طويلاً أمام ثقلِ كل هذه المواجع والحقائق المريرة.

بل سيُقالُ يومَ يخرُّ هذا الجسدُ البالي:

أما كانَ فيهِ من رمق مذ ذاك الوقت؟

لتجيبُ الطرقاتُ الخالية، وتجيبُ الأمهاتُ اللواتي غسلنَ أبناءهنَّ بالدموع، ويجيبُ الفقراءُ الذين حملوا الوطنَ فوق ظهورِهم كالصليب:

إنَّ الروحَ لم تكنْ يوماً في الخشب، ولا في القصورِ العالية، ولا في البنادقِ التي تعوي لكسر صمت القبور الزاحفة.

في تلك الساعة فقط، لن تنقذَ البلادَ نخبُ أدمنتِ الفشلَ.

حينها ستخرجُ من رحمِ المحنةِ “الثلةُ المستكملة”؛

لا هي أسيرةُ الماضي، ولا هي ابنةُ سراب بعيد.

ستأتي كما تأتي الأقدارُ الكبري؛ هادئةً في أولِها، كاسحةً في آخرِها.

إذ نحنُ الي اللحظة الراهنة نراوح فقط في مقامِ المفارقات؛ حيثُ أغنى الناسِ أفقرُهم إلى معني الحياة، وأقوى الناسِ أضعفُهم أمام صوت الحق، لتبدو البلادُ في هذا المنعطف كمرآةٍ مكسورةٍ لا تعكسُ إلا نصفَ وجهِها.

الغافلُ وحده من يظنُّ أنّ المفاتيحَ ما تزالُ تفتحُ أبوابها، بينما هذه الأبوابُ نفسها قد نخرتها دودةُ الزمن، ولم يبقَ من بينها إلا بابٌ واحد: هو بابُ هذا التحوّل المرتقب والمنشود.

المهم فإن السودانَ لا زال يُطهى في قدرِ الغيبِ على نارِ هادئة، كأنّه يعدُّ لولادةٍ لا تُشبهُ ما قبلها.

وفي وقت يُضرَبُ بالبوقُ، سيخرجُ هذا البلدُ من بينِ فرثِ الإنتهاكات ودمِاء الضحايا، كطائرٍ أسطوريٍّ ينهض من رمادِه، ينفضُ عن جناحيه غبارَ السنين، يمضي نحو العالمِ

حاملاً بقلبِه بشارةَ الناجين من تيه الضياع.

Exit mobile version