حدث في مثل هذا اليوم

عمر الدقير

قبل أكثر من أربعين عاماً – في 16 مايو 1983 – أطلقت القوات المسلحة عملية “البرق الخاطف” لإخماد تمرد حاميات بور والبيبيور وفشلا، الذي حدث بعد تراجع نظام مايو عن اتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢ التي أوقفت الحرب بمنح الجنوب حكماً ذاتياً.

لكن العملية لم تحسم التمرد ولم تُنهِ الأزمة، كما هو معلوم، بل مثّلت بداية المرحلة الثانية للحرب الأهلية، التي أضفى عليها نظام “الإنقاذ” – لاحقاً – شعارات دينية وسياسية عمّقت الانقسام الوطني، إلى أن انتهى المسار باتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥ ثم انفصال جنوب السودان في ٢٠١١، كأحد أكبر نتائج الفشل التاريخي في إدارة التنوع وبناء دولة عادلة تسع الجميع.

بعد عشرات السنين، يبدو السودان وكأنه لم يتعلّم الدرس: ما تزال البنادق تتقدم على السياسة، وما تزال الأزمات تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق التوافق.

كل حربٍ تبدأ بشعارات الحسم السريع، وتنتهي بخرابٍ كبير، وتترك وطناً أقلّ اتساعاً لأهله، وأكثر امتلاءً بالأزمات ومشاعر الغبن والكراهية.

استعادة ذكرى ١٦ مايو ١٩٨٣ ليست استدعاءً للماضي فقط، بل مواجهةٌ للحاضر أيضاً: هل نواصل الدوران في الحلقة الشريرة نفسها؟ أم ندرك أخيراً أن السودان لا يُبنى بالعنف، ولا ينجو بغير خيار الحل السياسي المفضي للتوافق على عقدٍ وطني جديد يعترف بالجميع ويضمن حقوق الجميع؟

كان أوَّل شرطٍ لأممٍ وشعوب تجاوزت كبواتها وأزماتها، وحوَّلتها إلى رافعة للنهوض والانتصارات، هو استلهام العِبَر والدُّروس من تجارب الماضي، بمراجعتها ووضعها في موازين النقد الشجاع الأمين، لتفادي أخطاء الماضي وعثراته، واقتحام المستقبل بمصابيح تُضئ الطريق.

بغير ذلك، تظلُّ مقولة الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا حاضرة: “الذين لا يقرأون تاريخهم، محكومٌ عليهم أن يعيدوه”.

Exit mobile version