تفكير في قضايا التعليم

فيصل محمد صالح

يبدو لي أن هناك إهمالًا شديداً لقضايا التعليم في ظل الحرب. صحيح أن الحرب خلطت كل الأوراق، وخلقت مشكلات في كل مكان ومجال، لكن قضايا التعليم تكتسب أهمية كبرى. فالقصور في التعليم بكل جوانبه من أهم أسباب مشكلاتنا التي قادت إلى الحرب، وفي التعليم أيضاً جانب من الحل.

تسببت الحرب في اضطراب العملية التعليمية في كل المراحل وفي كل المناطق، وحتى المناطق التي استمرت فيها العملية التعليمية وأُجريت فيها الامتحانات، لم تسِرْ العملية بطريقة طبيعية، ولم يدرس الطلاب المنهج المطلوب كاملًا. وبالتالي علينا أن نضع في الاعتبار أن هؤلاء الطلاب الذين انتقلوا من مرحلة إلى أخرى لم تُؤسَّس معارفهم بشكل جيد، وسينعكس ذلك على أدائهم في المراحل المتقدمة، بما يتطلب معالجات كبيرة.

والأخطر من ذلك أن هناك طلاباً انقطعوا عن التعليم بسبب الحرب؛ إما لأنهم في مراكز نزوح ولجوء لا يتوفر فيها التعليم، أو لأنهم في مناطق خارج سيطرة الجيش، وبالتالي لا تصل إليهم الخدمات التعليمية. وهذه مشكلة لا بد من التعامل معها بأفق إنساني ووطني يتجاوز الخلافات السياسية.

المبادرة التعليمية التي باشرت نشاطها قبل فترة قدمت إحصاءات مخيفة، منها أن هناك 280 ألفاً من الطلاب والطالبات المؤهلين لامتحانات الشهادة السودانية حُرموا منها بسبب وجودهم في مناطق سيطرة الدعم السريع. وهذه قضية تحتاج إلى معالجة تتجاوز الاعتبارات السياسية، وبالأفق الذي ذكرناه سابقاً؛ لأنها في النهاية تتعلق بمستقبل هذا الوطن ومستقبل أبنائه.

وهناك أيضاً طلاب الجامعات الموزعون بين بلدان العالم؛ بعضهم كانت لديه القدرة على الالتحاق بالمراكز الخارجية للجامعات، رغم ضعفها، بينما عجزت إمكانيات آخرين عن ذلك، فتوقفوا بالتالي عن التعليم الجامعي. وبعض هؤلاء كان يدرس في كليات عملية، مثل الطب والهندسة وغيرها من التخصصات التي تحتاج إلى المعامل والأجهزة والتطبيقات العملية، وقد توفرت لبعضهم بصورة جزئية، بينما لم تتوفر لآخرين.

هؤلاء الطلاب ضحايا لظروف لم يكونوا سببًا فيها، ولا طرفاً في إيجادها، لكنهم في النهاية سيكونون أقل تأهيلًا من بقية زملائهم، ولا بد من معالجة عاجلة لهذا الأمر.

ويجب ألّا ننسى أن البنيات الأساسية للجامعات قد دُمِّرت تماماً، ودونك شهادة عميد كلية الطب بجامعة الخرطوم، الذي وجدها وقد تحولت إلى خرابات.

هذا فضلًا عن الهم الأكبر، وهو: كيف سيعود أساتذة الجامعات من الخارج ليقبلوا بالرواتب الزهيدة التي ستدفعها لهم الحكومة؟.

إيقاف الحرب أولوية يعمل عليها كثيرون، ولكن لا بد أن يشتغل آخرون على القضايا المؤجلة، وأن يُعدّوا لها تصوراتٍ وحلولًا قابلة للتطبيق متى ما عادت الظروف الطبيعية إلى بلادنا.

Exit mobile version