العروسي يبحث عن ميناءٍ بالتقسيط التاريخي

عبد الجليل سليمان 

عندما استمع إلى المحلل السياسي الإثيوبي محمد العروسي، وهو يتحدث بثقة مفرطة وعاطفة متدفقة عن “أحقية تاريخية” لإثيوبيا في الموانئ الإرترية على البحر الأحمر، تنتابني رغبة جامحة في تذكيره بأن الإحالة إلى أكسوم لن تجدي نفعاً في هذه الحالة.

ليس فقط لأن جزءاً معتبراً من إرتريا كان قلب مملكة أكسوم وثغرها البحري، وبالتالي فإن لإرتريا، تاريخياً، شرعية وراثة أكسوم مثلها مثل إقليم تيغراي في إثيوبيا؛ بل أيضاً لأن الإقليم الذي ينتمي إليه العروسي نفسه، أي إقليم أرسي في أوروميا، لم يكن جزءاً من أكسوم ولا من الحبشة التاريخية.

فهذا الإقليم أُخضع بالقوة العسكرية على يد ملك شَوا منيليك الثاني، بعد مقاومة شرسة من سكانه في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتحديداً عقب معركة أنولي الشهيرة عام 1886، التي ارتكبت خلالها قوات منيليك مذبحة واسعة بحق سكان أرسي “العروس”.

ثم استمر إخضاع المنطقة تدريجياً حتى ما بين 1890 و1893، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن مقاومة الأروسيين استمرت حتى عام 1900.

وبذلك أصبحت أرسي ” العروس” جزءاً من الحبشة التي تحولت لاحقاً إلى إثيوبيا الحديثة، بينما كانت إرتريا، بموانئها الحالية، جزءاً من أكسوم والحبشة التاريخية منذ قرون سحيقة سبقت الميلاد. ومن هنا يبرز السؤال المنطقي: كيف لرجل أصبحت منطقته جزءاً من المنظومة الإثيوبية قبل نحو 130 عاماً فقط، أن يدّعي “حقاً تاريخياً” في أرض ينازع عليها أهلها الأصليين، الذين عاشوا فيها منذ آلاف السنين وأسهموا في تأسيس تلك الإمبراطوريات والحضارات القديمة؟

هذا من الناحية التاريخية.

أما في الواقع السياسي المعاصر، فإن حدود الدول القائمة اليوم هي الحدود التي كرّسها النظام الدولي الحديث “الاستعمار”، مهما كانت جذورها الاستعمارية. ولا يمكن لأي دولة أن تتجاوز هذه الحقيقة أو تقفز فوقها تحت ذريعة “الحقوق التاريخية”.

وبناءً على ذلك، فإن ادعاءات العروسي — وهي في جوهرها ادعاءات حكومة آبي أحمد — تبدو مجرد خطاب سياسي عاطفي، يفتقر إلى الأساس الواقعي والتاريخي والقانوني.

Exit mobile version