مقالات

الخرطوم الجميلة 

يس علي يس  

ووقفت ذات يوم على مشهد الخرطوم الجميلة، بامتداداتها كولاية، وبجمالها كمدينة، بشوارعها وزينتها وأمنها وأمانها، ولأنني أحب التاريخ القديم، فقد سألت نفسي: كيف زالت عاد وسبأ والمداين وكيف طمرت الرمال مدن النوبة والفراعنة على ضفاف النيل.

هداني عقلي إلى أنها مدن صغيرة الامتدادات، كان هجرها سهلا ودفنها سريعا، مقارنة بمدن تحتاج لساعات بالسيارة لتبلغ نهاياتها.

وجال بقلبي ما جال بأفكار صاحب الجنة حين دخل جنته وأعجبته فقال: “ما أظن أن تبيد هذه أبدا”، كان خاطرا حقيقيا عشته، واستبعدت أن يصبح هذا خرابا مهجوراَ.

ووجدت الاستحالة هوى في نفسي، قتل المخاوف، وشنق فكرة زوال المدينة في داخلي.

ولعل الله أراد أن يخبرني شيئاً، وأنا أرى حرب الخرطوم، وأعيش فيها لزمن في أيام الحرب، لأرى مربعات كاملة يسكنها شخصان فقط، تجادلهما العتمة والريح والسكون ويغازلهما الخوف وحتمية الموت في أي لحظة.

رأيت كيف أن الحيوانات الأليفة تتلاشى، يقتلها الجوع، أو تهيم في الشوارع البعيدة حتى يدركها الموت.

رأيت كيف أن أمان الشوارع ودفء وجود الجيران لم يعد متاحاً.

الأبواب مفتوحة يعبث بها الهواء، تسرق النظر إلى الداخل فينقلب إليك البصر خوفا ووجل.

تسير ولا تأمن أن تكون هدفاً لقناص عابث.. أو رصاص طائش.. أو دانة عشوائية.. أو نهبا للصوص اجتاحوا المدينة بالبنادق.. وصارت حياتك رهنا لأمزجتهم.. وما تحدثهم به أنفسهم الأمارة بالسوء.

منحني الله عمراً مديداً لأرى قدرته.. وأرى هوان الدنيا هذه.. وأنظر تقلب أحوالها من حال إلى حال.

منحني الله التجربة.. لأرى بأم عيني كيف زالت المدن القديمة بأعمدتها العالية.. وصروحها الضخمة.. وتماثيلها العجيبة.. لأقارن بين ضعف حضارتنا وقوة الحضارات القديمة.. اللذان تقاسما الزوال بأمر وإرادة القوي المتين.

لنجلس في أماكننا هذه ونرى قدرة الله على الخلق ونسبح بحمده العظيم.

ثم إننا لا نتعظ.. ونقف على الأنقاض مثل الصالح “عزير” ونطلق أسئلتنا اليائسة المتعجبة: ” أنى يحيي هذه الله بعد موتها”، بكل إحباط الدنيا.. وبكل ما حاق بمدينتنا من خراب، وتوقف الحياة ومعيناتها

لم نستوعب بعد قدرة الله على أرضه وخلقه.

وبين غرور العمار..

ويأس الدمار..

نشاهد كيف تعود الحياة .. وكيف يعود الناس..

نشاهد بأم عيننا كيف تنتهي الحضارات.. وكيف يسخر الله الأرض للإعمار.

إن في حرب الخرطوم آية ينبغي أن نتوقف عندها.. وأن نتعظ.

فلا تغرنكم العمارات السوامق.. ولا الحضارة.. ولا المال .. ولا التكنلوجيا.

فإن زوالها مرهون بلحظة غرور.. لتصبح أثرا بعد عين..

صدقوني.

ستختفي حيوات ومدن.. ما كان أحد يظن أن نورها سينطفيء.

ستزول تماماً . وتصبح في ذاكرة التاريخ.

سبحان الله المعز المذل..!!

اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع