بعض الناس تلتقي بهم على عجالة، يمضون سريعاً، عندما تسترجع سيرتهم بعد الرحيل، تكتشف أنهم أصلاً ما كانوا ناس دنيا.. هم جاءوا لهذه الحياة لبرهة، ليرحلوا خلسة، وليمضوا في الهدوء ذاته الذي عُرِف عنهم.
كثيراً ما تلوم نفسك وتعاتبها ـ لماذا لم تدرك وقتها أن من رحل عنا، ما كان زول دنيا؟ لماذا لم ندرك أن بعض الناس كانوا مختلفين، يختلفون عن الغير في كل شيء، يكادون لا يشبهوننا في شيء؟!
حتى رحيلهم من الحياة يحدث بصورة فجائية.
يوسف سراج الدين كان منذ يومه يحمل حقيبة رحيله، يبدو دائماً في هيئة المسافر، ببدلته وأناقته وطمأنينته، لا تسمع له صوتاً، رسخ مفاهيمه في الصحافة السودانية بدون ضجيج ودون أن يرفع صوته. في المجال الإعلامي من الصعب أن تسمع أو أن يكون لك وجود إن لم ترفع صوتك، الأضواء في مجال الإعلام يصنعها “التريند”، ولا يشعر بك أحد إلا في حالة المخالفات. يوسف سراج الدين كان بعيداً عن كل هذا الصخب، جاء لهذه الدنيا ليضع بصمته الخاصة في هدوء، ثم ليرحل في هدوء.
كان يوسف سراج الدين يعارض بأدب، لم يتجاوز حدود الأدب في أقصى سقف حرياته، كان مهموماً بالوطن بطريقته دون إساءة لأحد، لم يخرج من لباقته في أحرج الأوقات.
عندما تقرأ له أو تشاهده في التلفزيون أو تلتقي به في مناسبة عامة، تشعر بأنه يختلف عن الآخرين، كان لا يهمه الكسب الشخصي ولا يعنيه الانتصار الذاتي، كان مهموماً بالوطن.
يحمل قضيته ويقاتل من أجلها دون أن يخلف أي قتيل، كان معنياً باللطف حتى مع خصومه، لذلك هو ربما يكون الصحفي الوحيد الذي لا خصوم له.
إنسان ودود في كل شيء.. صفاؤه يغطي كل المساحات.
كان عميقاً وصاحب فكر ورؤية ثاقبة، كم كنت أستمع له عندما يحدثني عن الصادق المهدي، كان يعرف قيمة الرجال، وكثيراً ما كان يحدثني عن الهلال، كان متابعاً للنشاط الرياضي رغم تخصصه في الصحافة السياسية. عندما يناقشك يحدثك كقارئ لك، وليس كصحفي معك، تواضعاً منه وهو أعلى قيمة منا، لكن أدبه يجعله يشعرك بأنه متابع لك وأنه حريص على القراءة لك، وهذا شيء يفعله مع كل الصحفيين؛ هو يتفضل علينا في كل شيء، سبقنا بفضائله وحرفيته ومهنيته العالية.
كل الذين كتبوا عنه اتفقوا على عفته وزهده في الحياة وفي الأضواء، كلهم اتفقوا على لطفه وهدوئه، وعلى أنه لا يشبهنا.
بشير البكري في رثائه ليوسف بابكر بدري كتب: «وآباؤنا وأمهاتنا الصالحون، الذين أقاموا على سفر، وفارقوا على عجل، ولم يأخذوا من الحياة إلّا كما يأخذ الطائر بمنقاره من البحر».
يوسف سراج الدين لم يأخذ من الدنيا شيئاً، مضى ليثبت أن لا شيء يبقى غير العفة والسيرة الطيبة، كأنه قصد أن يترك لنا هذا الإرث، لذلك لم يكن مهموماً بغيره.
يوسف أيها السراج، أقعدتنا وكسرت شكيمتنا عندما رحلت.
أحاول أن أكفكف أحزاني، أن ألملم بقايا أثقاب شجون في نفسي، ما زلت أتظاهر باللا مبالاة، عليّ أن أقابل أوجاعي بشيء من الثبات، أن أبدو عادياً، أن أحتمل الوجع، بل عليّ أن أتصالح معه؛ لأن الصراع معه وجع آخر، لا نملك رفاهية الصراع، لكن كيف لي بذلك، وحتى شبابيك الغرفة تصدر صريراً حزيناً ويرتفع حيناً إلى قعقعة أشبه بالبكاء… لا أظن أن ما يحدث مؤامرة، عهدي بالنوافذ حتى وقت قريب أنها شديدة الوفاء، وأن إخلاصها لا يباع.
لكن أبواب منازلنا حردت بيوتنا.
أنفض حقيبة ذكرياتي، فليس هنالك شيء يوجع أكثر من الذكريات.
القمصان القديمة والملايات البالية، وشارع البيت، وصور زمان، وكعك العيد وهدوم المدرسة، كلها متورطة في جري إلى الماضي، وإلى أيام كان كل شكوانا فيها عن (أزمة المواصلات).
أمسح على صدري متفقداً قلبي، ربما فقدته، فليس بيني وبينه عقود ائتمان.
قد أصل إلى مرحلة من السهو، أبلغ فيها مرحلة لا أعرف إن كنت فقدت قلبي أو لم أفقده، الأكيد أن قلبي أصبح يزعجني، أصبح يقلقني فهو كأنه أصبح خافقاً غير مرغوب فيه.
للتو علمت بنبأ رحيل زميلنا الصحفي يوسف سراج الدين وزوجته في حادث حركة في الإمارات، حاولت أن أستغفل نفسي وأن أستقبل الخبر كشائعة، ولكن صفحات كل الزملاء على مواقع التواصل الاجتماعي تنعي يوسف وزوجته.
مواقع التواصل لا تعرف المقدمات، ولا فيها ذرة من رحمة، لتقدم لك خبراً كهذا بشيء من الرفق، كيف لهم أن يطلقوا خبراً كهذا كالصاعقة وهم يدركون أن مثل هذا الرحيل لا يحتمل؟!
نحن من خبرات الحياة ومع إدارة الحزن في دواخلنا أصبحنا نتعامل مع الموت بأنه انتقال من غرفة إلى غرفة، أصبحنا نستقبل الموت ونحن ندرك أنه قد لا تفصلنا غير لحظات ممن رحل لنلحق به، ونعرف أن خبر الوفاة أو كلمات العزاء التي تكتبها عمن رحل ربما يلحق اسمك بها لتكون من الراحلين.
ندرك تماماً أن الموت لا يحتاج إلى إيصال مرور ولا إذن دخول، يمكن أن ترحل قبل أن يكتمل شحن موبايلك، حتى وإن كان شحن موبايلك عندما وضعته على الشاحن 99%.
الموت لا ينتظر، والأقدار لا تؤخر، والآجال كتاب مكتوب.
وصلنا إلى إدراك تام أن الموت لا يفرق بين الأحباب، بقدر ما هو تغيير في لغة التواصل. كثير من الذين رحلوا تعمقت علاقتنا بهم بعد رحيلهم.
مصطفى سيد أحمد، وعبد العزيز العميري، ومحمود عبد العزيز، وحميد، وعلي المك، وصلاح أحمد إبراهيم، كل أولئك زادهم الموت حضوراً.
وحتى على نطاق الشخصيات الخاصة والأهل والمعارف، هنالك أناس لا يبعدهم الغياب.
في جريدة الخرطوم بتاريخ 1 فبراير 1995م كتب الطيب صالح في رثاء تاج السر محمد نور (ابن عمته وزوج شقيقته الوحيدة): «كانت فيه غبطة وفرح داخلي، كأنه يتكتم نبأ ساراً، وتلك السكينة لأنه أبداً لم يجرب الإحساس بالذنب، ومن أين يجيئه الإحساس بالذنب؟ نشأ في طاعة الله، أطاع الله ببساطة، وكأنه لا يبذل جهداً وكأن سبل الحياة المحيرة قد سُدَّت كلها عليه، وانفتح أمامه طريق واحد وهو طريق الخير والصلاح فسلكه، ظل يسير فيه إلى لقائه الموعود بربه يوم الجمعة. من أين يجيئه الإحساس بالذنب؟ لقد أوفى بالعهود كلها وأكثر، برَّ بأبويه ووصل رحمه ورضي عن الناس ورضوا عنه، استقبل القادمين وودع المسافرين وعاد المرضى ودفن الموتى، ووفى بنصيبه ونصيبي أيضاً».
يوسف سراج الدين كان كهذا، حالة من الرضاء التام، يبدو في سكينة وهدوء، كأنه كتلة من الصفاء والنقاء.
يوسف سراج الدين إنسان يدخل لك برفق، هو كأنه طيف أو رشة عطر.
يوسف أيها السراج، هل سوف تفقد العشم في أن نلقاك صدفة في شوارع الخرطوم؟
هل لم تعد أمسيات الخرطوم تحمل أمل اللقاء بك؟
ما أقسى الخرطوم بدون هدوئك الذي تعيد لنا به الحياة ويوقد فينا العشم!
ما أقسى الحياة دون فسحة الأمل الذي كنت تبشر به وتراهن عليه!
لقد كنت فينا سراجاً نهتدي به.
هذه الدنيا خادعة، هي بكل اتساعها، ضيقة للحد الذي يمكن أن تغلق أبوابها عليك قبل أن تغلق مكالمة التلفون.
يوسف سراج الدين، هذا الوضيء الذي اعتدت أن ألتقي به في طرقات الخرطوم صدفة، لم نرتب يوماً للقاء، كانت الصدفة تجمعنا على حب، وكنا نكتفي منها بذلك، ثم نمضي على أمل صدفة أخرى.
نحن الصحفيين أجندة المواعيد عندنا متروكة للصدفة، ربما هذا إيمان منا واستسلام تام للأقدار، ندرك أنها لن تمنحنا فرصة للترتيب لذلك نترك كل شيء للأيام.
تركناها للأقدار، فأعطتنا أكثر مما نستحق.
حتى الموت بالنسبة للميت راحة، هو قدر لا مفر منه.
نسافر ونتغرب ونعود أو لا نعود، كل شيء تركناه لأقدارنا وصار عندنا قدر من التسامح يجعلنا نتعامل مع كل الأشياء برحابة وقبول ورضاء.
حتى الموت بكل ضريبة أحزانه، أصبحنا نستقبله في الديوان الكبير.
نفتح أبوابنا للقادمين، ثم نجلس على أمشاط أقدامنا في انتظار قادم جديد.. نقصد من ذلك أن نسد فراغات من رحلوا.
لكن اليوم أرفع راياتي وأعلن أن وجع رحيلك كان أكبر من أن تتسع له قدراتنا المحدودة.
أعترف أن صدمة رحيلك تجاوزت حدود المتوقع.
ربما كنت لا تعرف قيمتك عندنا، ولا تشعر بمعزتنا لك.
في غدٍ يعرف عنا القادمون
أيَّ حبٍ قد حملناه لهم
في غدٍ يحسب منهم حاسبون
كم أيادٍ أسلفت منا لهم
في غدٍ يحكون عن أناتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجرح الذي غنّى لهم
كل جرح في حنايانا يهون
حين يغدو راية تبدو لهم
جرحنا دامٍ ونحن الصابرون
حزننا داوٍ ونحن الصامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
كم فتى في مكة يشبه حمزة؟
ربما لم نحسن نحن التعبير عن ذلك، لكن كنت فخرنا، الذي نحتفي به ونتشرف حتى وأنت بعيد عنا.
إن أكثر ما يوجعني في هذا الرحيل ومثله، أنه رحيل يتم بعيداً عن الوطن، رحيل لا نملك فيه قدرة المشاركة في العزاء، يوجعني أن من رحل من هذه الحياة رحل وهو قد ترك الوطن في صورة لم يكن يحبها له.
يوسف سراج الدين لم يكن يزعجه شيء غير حال الوطن، والأكيد أنه انتقل إلى الرفيق الأعلى موجوعاً وهو يحمل هم وطنه حتى في مرقده الأخير.
هذا السودان فريد في نيله وعزيز في أراضيه.. هذا السودان عظيم في تاريخه وجميل في إرثه، حضاراته تشرفنا وثرواته تعزنا.
نعرف كل ذلك، لكن يبقى إنسان هذا الوطن هو أعظم ما فيه.
يوسف سراج الدين فخر الإنسان السوداني، في ملامحه وكل تفاصيله وخلجاته وتحركاته وأنفاسه كان سودانياً.
هو نموذج للسوداني الذي نحب، كأنه بملامحه تلك وثقافته العالية وعمقه الجميل (طابع بريد) للشخصية السودانية الجميلة.
حقق يوسف سراج الدين نجاحات كبيرة وهو رئيس تحرير لصحيفة (الوطن)، أقلها أنه خرج من عباءة رئيس التحرير التقليدية، فقدم لنا نسخة من رئيس التحرير الذي نفضله.
ثم جاء يوسف سراج الدين وكان رئيساً لصحيفة (المواكب)، التي أعتبرها من أجمل وأروع صحف ثورة ديسمبر التي استطاعت أن تعبر عن الثورة بجمال وأدب.
صحيفة المواكب هي النموذج المحترم لإعلام ثورة ديسمبر المجيدة ولصحافتها.
ولكن ولأن يوسف سراج الدين شمعة، رحل سريعاً، لأنه كان يحترق من أجل غيره.
الطيبون يمضون سريعاً، ولكن عزاءنا في أنهم يتركون سيرة تضيء بعدهم مساراتنا.
رحل يوسف ولكنه ترك سيرة باقية، ولا نشك لحظة في أن زرعه سوف يثمر ولو بعد حين.
كلنا سوف نمضي ولكن هل كلنا يستطيع أن يترك مثل هذه السيرة؟
…
متاريس
اللهم ارحم عبدك أبا باسل وزوجته، وأبدلهما داراً خيراً من دارهما وأهلاً خيراً من أهلهما واجعل الجنة مثواهما.
اللهم أنزل على قلب ابنهما باسل وهو يفقد أمه وأبيه في لحظة واحدة الصبر والسلوان، وثبت أخاه الجميل الفاضل، فهو أحد مناراتنا في صحافتنا السودانية.
اللهم ارحمهما واغفر لهما وليس لنا أن نقول إلا ما يرضي الله.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
…
ترس أخير: الحمد لله على كل حال.