في ظل استمرار الحرب .. العمل الحر خيار السودانيين

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

تتقاطع المفارقات وسط شريحة واسعة من الموظفين في القطاعين العام والخاص في السودان، إذ باشر بعضهم العمل في مؤسسات الخدمة المختلفة من داخل العاصمة الخرطوم خلال المهلة المقررة بحد أقصى 45 يوماً، بينما فضل آخرون العمل الحر لمواجهة الفجوة المعيشية المتفاقمة في البلاد في ظل ضعف الرواتب مقابل انهيار الجنيه بصورة غير مسبوقة في سوق العملات الأجنبية.

وبحسب متخصصين في علم الاقتصاد والاجتماع، فإن الواقع الاقتصادي والمعيشي المتردي في السودان جعل عودة كثير من العاملين إلى الوظيفة أمراً غير وارد في الوقت الحالي.

عزوف وظيفي

محمد إبراهيم الذي يسكن ضاحية الكلاكلة جنوب الخرطوم يقول “في فترة ما قبل الحرب عشنا مفهوم الأمان الوظيفي، إذ قضيت أعواماً طويلة أمارس العمل في إحدى المؤسسات الحكومية كسائق من دون انقطاع، ولا أفكر في شيء غير وظيفتي، ولم أتخيل أنني في يوم ما أمارس غيرها”.

وأضاف إبراهيم “بعد اندلاع الحرب وجدت نفسي أمام واقع انهار فجأة عقب توقف العمل والرواتب في ظل النزوح وتفشي البطالة، إذ أجبرني هذا الواقع المخيف على التفكير في مشروع تجاري بسيط عبارة عن كشك صغير يحوي حاجات المنزل الأساسية، فقد كانت البداية شبه متعثرة لجهلي بخفايا السوق، لكن بعد مرور وقت قصير بخاصة بعد عودة مجموعات كبيرة من المواطنين إلى الخرطوم تحسن الوضع بصورة مرضية”.

وتابع المواطن السوداني “تردي الوضع الاقتصادي في البلاد كان سبباً في عدم عودتي للوظيفة والتفكير في مخرج يدر عائداً مادياً يمكنني من العيش في أمان مع أسرتي، والآن غير وارد أن أعود إلى الوظيفة مجدداً مهما كانت المغريات وعلى رغم التهديدات بالفصل، إذ وجدت نفسي في العمل الحر الذي كفل لي الاستقرار”.

وأشار إبراهيم إلى أن “هذا الواقع سيجبر كثيراً من العاملين للاتجاه إلى ممارسة مهن بديلة، فالراتب لا يغطي كلفة المعيشة الباهظة، لذلك هناك عزوف كبير عن العودة للوظيفة”.

مطاردة الفرص

في حين، أوضحت سلوى عبدالرحمن وهي موظفة كانت تعمل في شركة خاصة وتقيم حالياً بإحدى دول الجوار أنها فقدت كل مقتنيات منزلها الواقع بضاحية الفتيحاب في أم درمان، وكذلك فقدت وظيفتها بعد توقف راتبها مع اندلاع الحرب.

وأضافت المتحدثة “لكن ما حدث من تحول في أمور الحياة المعيشية يجعل عودتي إلى العمل غير ممكنة إذا ما استعادت الشركة نشاطها في ظل بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة وخدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه والتعليم وفقدان الأمان وانتهاكات حقوق السكن وملكية الأرض، أنا حالياً لا أفكر في العودة للعاصمة بتاتاً إلا في حال تلاشت تلك الأخطار”.

وواصلت عبدالرحمن “بسبب هذه المتغيرات اتجهت إلى العمل الحر، إذ أدير مشغلاً للحياكة النسائية وتطريز الثوب السوداني، وعلى رغم أن وضعي كما كانت عليه الحال في السابق، فإنه أفضل مقارنة بالعودة للوظيفة، فهو في الأقل يوفر لأفراد أسرتي الأمان والراحة”.

وزادت النازحة قولها “المشغل صادف النجاح، لجهة أنني تلقيت دعماً مقدراً من إحدى الجهات التي تدعم المشاريع الصغيرة لتعزيز اعتمادنا على أنفسنا، فهو نافذة تمكن أبنائي من مواصلة دراستهم بأمان واستقرار، بخاصة أن الواقع الاقتصادي المتردي في بلادنا يحتاج إلى أعوام حتى يجري تغييره”.

وأكدت الموظفة السابقة بأن الأمان لم يعد في الوظيفة أو الراتب المنتظم، بل في إيجاد عمل حر ومستقبل مستقر في زمن أصبحت فيه مصادر الرزق أضيق من أي وقت مضى، مما دفعني إلى مطاردة الفرص في قلب الأزمة.

جانب من أعمال المواطنات

هرب وتكيف

في السياق قالت الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف إن “الحرب أحدثت تحولاً في الوعي المجتمعي السوداني بإعادة التفكير واتخاذ القرار، لا سيما في ظل الأزمات الممتدة التي استبدلت بالتفكير الاستراتيجي طويل الأجل نموذج البقاء، مما أدى إلى أن تنحصر الأولويات في تجاوز اليوم، وهو ما أسهم في إيجاد بدائل سريعة مبنية على الخوف بإدارة الأزمات اللحظية”.

وأردفت يوسف “هذا التغير النفسي يتقاطع بصورة دقيقة مع نتائج دراسة نفسية أجريت عام 2025، حول آثار الحرب في النازحين، التي كشفت عن مرور الأفراد بمراحل اضطرار بدأت بالتبلد العاطفي وصولاً إلى حال من الشلل الوظيفي في مجالي العمل والتعليم، وهو نتاج طبيعي للصدمة والنزوح القسري الذي يعطل القدرات التكيفية للفرد، ويجعل الانتظام في وظيفة رسمية أو مسار تعليمي منظم أمراً يفوق طاقة التحمل النفسية في مراحل الأزمة الحادة”.

ومضت في القول “أكثر الموظفين يعتبرون العمل الحر تمكيناً في كل أوجه المعيشة، بعدما تحول الأمان من أصل ثابت إلى تدفق لحظي، وأحياناً يكون العمل الحر هرباً وتكيفاً مع العجز في استعادة الإحساس بالسيطرة بعد انهيار السوق الرسمية”.

ولفتت الاختصاصية الاجتماعية إلى أن “التوجه نحو العمل غير مستقر تتباين فيه المفارقات، إذ يؤدي إلى زيادة حالات القلق المعيشي المزمن ويفقد الأفراد قدرتهم على تجميع رأس مال نفسي واجتماعي يساعدهم على التخطيط للمستقبل، بينما يحمل التأقلم القسري الحالي الشخص كلفة نفسية مؤجلة، ربما تظهر آثاره في مرحلة ما بعد الصراع”.

مشددة على أن الحرب لا تنتهي بتوقف صوت الرصاص، بل عندما تبنى طريقة التفكير من جديد.

عمالة يومية

على صعيد متصل يرى المحلل الاقتصادي أحمد عبيد أن “ما يحدث في سوق العمل ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول هيكلي قسري أعاد تشكيل سوق العمل، لجهة أن الحرب قامت بتفكيك القطاع الرسمي تماماً، مما أدى إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة وصلت إلى 38 في المئة خلال عام واحد”.

وأوضح عبيد أن “الانهيار الوظيفي تزامن مع سقوط العملة الوطنية التي تجاوزت حاجز 400 جنيه مقابل الدولار الواحد، مما جرد الرواتب من قيمتها ومن ثم حول الاقتصاد من إنتاجي إلى تداولي هش يعتمد على التجارة الصغيرة وممارسة أنشطة البقاء، لا سيما أن الاقتصاد غير الرسمي في ظل الحرب والنزوح وتفشي البطالة وتصاعد معدلات الفقر لم يعد هشاً، بل بات قاعدة تشغيلية فعلية في ظل غياب الدولة”.

ونوه المحلل الاقتصادي بأن “الطبقة الوسطى في السودان جرفت بصورة تامة بفعل الحرب، فالموظفون والمهنيون والكوادر المتعلمة الذين كانوا يشكلون عماد الدولة تحولوا قسراً إلى عمال يومية أو باعة جائلين في الأسواق لتأمين لقمة العيش”.

وخلص المحلل الاقتصادي إلى أن “السودان لا يمر بمرحلة نمو، وإنما ببقاء اقتصادي، إذ أصبح العمل الحر مجرد آلية نجاة في بيئة خانقة تفتقر إلى الحماية، ومن ثم فإن استمرار هذا النمط من دون إدماج ذكي في الاقتصاد الرسمي سيجعل من السودان اقتصاداً عالي الحركة، ولكنه في الوقت نفسه منخفض القيمة، إذ ينجو الأفراد يومياً، ومن المؤسف من دون القدرة على بناء مستقبل مستدام”.

Exit mobile version