أرقين .. العبور القاسي إلي حضن الوطن

أرقين - تقرير: مشاوير 

تحت شمس الصحراء الحارقة، وعلى امتداد الطريق المؤدي إلى معبر أرقين الحدودي بين السودان ومصر، جلس آلاف السودانيين يفترشون الأرض، يحيطون أطفالهم وحقائبهم بأذرع منهكة، بينما تتصاعد في الهواء رائحة العرق والغبار والخذلان.

كان كثيرون منهم يظنون أن رحلة العودة إلى الوطن قد اقتربت من نهايتها، لكنهم اكتشفوا أن الطريق إلى السودان لا يزال أطول وأكثر قسوة مما توقعوا.

مشهد إنساني مؤلم

في الأيام الأخيرة، تحول معبر أرقين إلى مشهد إنساني مؤلم، بعد تكدس أعداد كبيرة من العائدين من مصر، نتيجة ما وصفه المسافرون بعمليات “غش واحتيال” في تذاكر الباصات، وغياب التنظيم والرقابة، الأمر الذي أدى إلى فوضى واسعة وحالات وفاة وسط العالقين.

كابوس العودة

كان محمد إدريس، وهو معلم سوداني قضى عامين في القاهرة بعد اندلاع الحرب، يحمل طفلته الصغيرة على كتفه وهو يقف وسط مئات المنتظرين أمام بوابة المعبر.

يقول بصوت متعب: “بعنا آخر ما نملك حتى نرجع البلد قبل العيد، دفعنا قيمة التذاكر كاملة من القاهرة إلى الخرطوم، لكن عندما وصلنا هنا قالوا لينا: الباصات ما موجودة، وإذا دايرين تسافروا لازم تدفعوا من جديد”.

يروي محمد أن أسراً كثيرة اكتشفت أن التذاكر التي اشترتها من مكاتب وشركات نقل في مصر لا وجود فعلياً لها داخل السودان، وأن بعض الشركات اكتفت بإيصال الركاب إلى أرقين ثم تركتهم في العراء، بينما ظهرت مجموعات من السماسرة تعرض تذاكر جديدة بأسعار مضاعفة.

جانب من العالقين

معاناة النساء

ولم يكن محمد وحده في هذه المعاناة. على بعد أمتار منه، جلست أم أحمد، وهي امرأة خمسينية جاءت مع أبنائها الثلاثة من الإسكندرية.

كانت تمسك بزجاجة ماء فارغة وتقول بحرقة: “نحن ما جينا نتمتع.. جينا نرجع بلدنا. الأطفال ناموا في الرمل يومين وما لقينا موية ولا ظل”.

حولها، كانت عشرات النساء يحاولن حماية أطفالهن من حرارة تجاوزت الأربعين درجة، بينما يتنقل الرجال بين الباصات بحثاً عن مقعد أو معلومة أو حتى وعد صادق بالتحرك.

كيف بدأت الأزمة؟

بحسب إفادات عدد من العائدين، بدأت الأزمة مع زيادة أعداد السودانيين الراغبين في العودة قبيل عيد الأضحى، في وقت لم تكن فيه شركات النقل والجهات المسؤولة مستعدة لاستيعاب هذا التدفق الكبير.

ومع ارتفاع الطلب، قفزت أسعار التذاكر بصورة غير مسبوقة، وظهرت شبكات من السماسرة استغلت حاجة الناس للعودة السريعة.

أحمد محمد عثمان، أحد العائدين، قال إن سعر التذكرة ارتفع من نحو 340 ألف جنيه سوداني إلى أكثر من 520 ألفاً، بينما فُرضت رسوم إضافية على الأمتعة وبعض الخدمات.

ووصف ما حدث بأنه “استغلال لمواطنين أنهكتهم الحرب والغربة”.

وفي روايات متطابقة، تحدث مسافرون عن بيع تذاكر لأعداد تفوق الطاقة الحقيقية للباصات، وعن وعود كاذبة بانطلاق الرحلات فور الوصول إلى المعبر، قبل أن يجد الركاب أنفسهم عالقين لأيام بلا خدمات كافية.

أحد الشباب العائدين من أسوان قال: “الشركة قالت لينا الباص جاهز داخل السودان. لمن وصلنا، اكتشفنا إنو ما في أي باص، وكل زول يرقد في الأرض وينتظر”.

الموت تحت الشمس

وسط هذه الفوضى، تحولت المعاناة إلى مأساة حقيقية بعد تسجيل وفيات بين العالقين.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ثلاثة مواطنين لقوا حتفهم نتيجة ضربات الشمس وتدهور الأوضاع الصحية داخل المعبر.

كان مشهد سيارات الإسعاف وهي تتحرك وسط الحشود كافياً لبث الرعب بين الأسر، خاصة مع وجود كبار سن ومرضى وأطفال. بعض العائدين قالوا إنهم قضوا أكثر من 48 ساعة في الانتظار دون غذاء كافٍ أو رعاية صحية.

شاب من ولاية الجزيرة فقد والده المسن خلال الانتظار قال بصوت مختنق: “أبوي تعب من الحر والعطش. حاولنا نلقاهو إسعاف لكن الزحمة كانت كبيرة. مات قبل ما يشوف بيتنا.

هذه القصص انتشرت بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت موجة غضب واسعة بين السودانيين، الذين اعتبروا ما حدث “إهانة جديدة” لمواطنين دفعوا ثمن الحرب والنزوح ثم وجدوا أنفسهم ضحايا للفوضى والاستغلال.

جانب من العالقين

اتهامات متبادلة

في المقابل، رفض بعض العاملين في قطاع النقل تحميل الشركات كامل المسؤولية. مرتضى الطيب، وهو مسؤول بإحدى شركات النقل، قال إن الأزمة نتجت عن “ضعف التنسيق والاستعداد لموسم العودة الكبير قبل العيد.

موضحاً أن الرسوم والضرائب المفروضة على الباصات ارتفعت بصورة كبيرة، ما أدى إلى زيادة أسعار التذاكر.

وأضاف أن “الباص الواحد أصبح يدفع رسوماً تصل إلى 840 ألف جنيه، مقارنة بـ350 ألفاً سابقاً، معتبراً أن غياب التنسيق بين إدارة المعبر واتحاد البصات وغرف النقل ساهم في تفاقم الأزمة.

لكن العالقين يرون أن هذه التبريرات لا تعفي أحدًا من المسؤولية. فبالنسبة لهم، كان يمكن تجنب الكارثة لو توفرت رقابة حقيقية على بيع التذاكر، وتنظيم واضح لعمليات التفويج، وخدمات إنسانية أساسية داخل المعبر.

تدخلات حكومية متأخرة

ومع تصاعد الغضب الشعبي، بدأت السلطات السودانية في التحرك لاحتواء الأزمة. مدير معبر أرقين، مبارك داؤود سليمان، أعلن وجود “انفراج قريب” بعد توفير عدد من الباصات لنقل العالقين إلى ولاياتهم المختلفة، متوقعًا انتهاء المشكلة خلال فترة قصيرة.

كما تحدثت السلطات عن زيادة عمليات التفويج وتنسيق العمل مع شركات النقل لتسريع حركة العبور وتقليل أعداد المنتظرين.

وفي خطوة أخرى، كان رئيس الوزراء السوداني قد أصدر قبل أسابيع قرارًا بإلغاء الرسوم والضرائب المفروضة على البصات القادمة من مصر عبر معبري أرقين ووادي حلفا، بعد شكاوى متكررة من تأثير هذه الرسوم على أسعار التذاكر وتعقيد حركة السفر.

لكن كثيرين يرون أن التدخلات جاءت متأخرة، بعد أن وصلت الأزمة إلى مرحلة خطيرة، وسقط ضحايا بالفعل.

وطن يُستقبل بالألم

في المساء، تبدأ حرارة الصحراء في الانخفاض قليلًا، لكن التعب لا يغادر وجوه العالقين. أطفال ينامون فوق الحقائب، ونساء يوزعن ما تبقى من الماء، ورجال يراقبون الطريق الطويل في انتظار باص قد يأتي أو لا يأتي.

ورغم كل شيء، ظل معظم العائدين متمسكين بفكرة واحدة: العودة إلى السودان، مهما كانت المشقة.

يقول محمد إدريس وهو ينظر إلى ابنته النائمة على الأرض: “نحن تعبنا، لكن البلد بتنادينا. بس كنا نتمنى نرجع بكرامة”.

في أرقين، لم تكن الأزمة مجرد زحام حدودي عابر، بل كانت صورة مكثفة لمعاناة السودانيين خلال سنوات الحرب والنزوح والفقر. آلاف البشر الذين حملوا حلم العودة إلى الوطن، وجدوا أنفسهم مرة أخرى عالقين بين حدود مفتوحة على الشمس، ووعود لم تصل بعد.

Exit mobile version