حرب السودان .. فعل داخلي أم تدخل خارجي؟

عبد الجليل سليمان 

أتفق تماماً مع ما ذهب إليه العميد البروفيسور قاسم بدري؛ فالسودان، في جوهر أزمته التاريخية، لم يكن ساحةً لعدوان خارجي بالمعنى التقليدي الذي تتعرض فيه دولة مستقرة لاجتياح قوة أجنبية، بقدر ما ظل فضاءً مفتوحاً لصراعات داخلية يستدعي أطرافها الخارج بإرادتهم الحرة كلما تعذر عليهم حسم التناقضات الوطنية فيما بينهم. فالحروب السودانية، في أغلب تجلياتها، لم تبدأ كتدخلات أجنبية ثم تحولت إلى نزاعات محلية، وإنما بدأت نزاعاتٍ محلية خالصة، قبل أن يتحول الخارج إلى فاعلٍ مؤثر فيها بطلبٍ مباشر أو ضمني من القوى المتصارعة نفسها.

وهنا تكمن المعضلة الأعمق في بنية الوعي السياسي السوداني، إذ لم تتكرس فكرة الدولة بوصفها مرجعيةً عليا تتجاوز الولاءات الجزئية، بل ظل الفاعل السياسي ــ حكومةً كان أو معارضة ــ ينظر إلى الخارج باعتباره امتداداً طبيعياً لمعركته الداخلية، وأداةً مشروعة لترجيح موازين القوة حين يعجز عن بناء توافق وطني أو إنتاج شرعية داخلية كافية. ولذلك فإن التدخل الخارجي في السودان ليس سبب الأزمة بقدر ما هو أحد أعراضها ونتائجها المباشرة.

والأمر لا يقتصر على الحروب والنزاعات المسلحة؛ فحتى الخلافات السياسية المدنية كثيراً ما تُرحَّل إلى العواصم الأجنبية والمنابر الإقليمية والدولية، وكأن الطبقة السياسية السودانية لم تثق يوماً بإمكان إنتاج تسوية وطنية مستقلة داخل المجال السوداني نفسه.

وهكذا يصبح الارتهان للخارج جزءاً من الثقافة السياسية لا مجرد سلوكٍ عابر فرضته الضرورات.

ومع ذلك، فإن المفارقة الأكثر إثارة هي أن جميع الأطراف، على اختلاف مواقعها، تتبادل باستمرار خطاب التخوين والاتهام بالعمالة والارتزاق، رغم أن الجميع، بدرجات متفاوتة، يمارس الفعل ذاته حين تضيق به موازين الداخل.

ولذلك يبدو الخطاب السياسي السوداني، في أحد أبعاده، أسيراً لازدواجية أخلاقية حادة؛ إذ يُدان الارتهان للخارج نظرياً، بينما يُستدعى عملياً كلما تعثرت القدرة على الحسم أو التوافق داخل الوطن.

Exit mobile version