يطل علينا عيد الأضحى المبارك لهذا العام حاملاً معه أثقالاً من المواجع والآهات، ليجد أمة تمزقها الصراعات، وعالماً يشهد حروباً ضروساً تدور رحاها في قلب ديار المسلمين، أو يكون المسلمون أحد أطرافها المكتوين بنارها. فما زالت الأوضاع تتأرجح في اليمن وكل بلدان الخليج العربي تحت وطأة التوترات الدائرة والصراع الإقليمي والدولي، وإن هدأت الأحوال في ليبيا قليلاً فإنها لا تسر صديقاً ولا تطمئن قلباً، ليبقى الجرح نازفاً والغصة حاضرة في حلق كل مؤمن ومحب للسلام.
أما الحال في السودان فقد بلغ قمة البؤس والشقاء، وتجاوزت المأساة حدود الاحتمال، حيث تدخل الحرب الدائرة هناك عامها الرابع وقد طحنت في طريقها كل موارد الدولة، ونسفت ما تبقى من حطام، وغذت قطط الفساد السمان الذين تحولوا إلى تجار حرب مصاصين لعرق المواطن المسكين. هذا المواطن المغلوب على أمره، الذي لا بواكي له، باتت ترهقه الجبايات الباهظة، وتخنق كاهله الرواتب الهزيلة التي لا تكفي حتى ربع احتياجاته الأساسية في السهر والمعاناة اليومية، ليعيش العيد بلا بهجة، وبلا طعم، وبلا أدنى مقومات الحياة الكريمة.
وفي المقابل، تتجلى الخيبة الكبرى في فشل الحكومة الذريع على الأصعدة كافة، حتى تحول وزراؤها إلى ما يشبه المهرجين في مسرح العبث الدائر. فعلى المستوى السياسي، عجزت السلطة تماماً عن إقناع الأطراف المختلفة بالجلوس إلى طاولة حوار سوداني سوداني حقيقي لأنها ببساطة ليست مؤهلة لإدارته، فانتهى بها المطاف تحاور نفسها في عزلة تامة. ولم يكن الشق الاقتصادي بأفضل حال، فالمؤشرات لا تحتاج سبر أغوار لاكتشاف مدى تدهور الناتج المحلي، وارتفاع التضخم الجنوني، وتراجع الإنتاج، فضلاً عن تحول الموازنة العامة برمتها إلى موازنة حرب تستنزف الأخضر واليابس.
ورغم الآمال التي عُلقت على رئيس الوزراء وخبرته الطويلة في المؤسسات الدولية ليدفع بالعلاقات الدبلوماسية إلى الأمام، إلا أن الواقع جاء مخيباً للآمال بفشل دبلوماسي ممتد.
ولم تكن حكومة السلام (تأسيس) في نيالا بأحسن حالاً من رصيفاتها، بل زادت الطين بلة ولم تقدم شيئاً يذكر سوى التكريس للانقسام والتشرذم، خاصة بعد عزلها دولياً وفشلها في انتزاع أي اعتراف شرعي.
هذا الإخفاق تزامن مع غياب تام للأمن والاستقرار في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مما اضطر الحكومة لإدارة اجتماعاتها من العواصم الأفريقية البعيدة، وهو ما انعكس سلباً على المتابعات الإدارية، فتحولت المحليات والولايات إلى جزر معزولة، وتفشت في أرجائها الأوبئة والأمراض، وشحت السيولة، وانتشرت الفوضى والنهب بشكل ملحوظ أمام أعين الجميع.
وعلى الرغم من وجود جهود دولية تبذل هنا وهناك للتوصل إلى حل، إلا أنها تسير ببطء شديد وتصطدم دوماً بأجندة الداعمين لاستمرار هذا الدمار، لا سيما مناصرو حزب المؤتمر الوطني المحلول وحركات دارفور المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا.
إن هؤلاء ومن يسير في ركبهم ما زالوا يصرون على العمل وفقاً للرؤية الأمنية الضيقة، واهمين بأن إضعاف قوات الدعم السريع يأتي عبر توقيع اتفاقات منفردة مع منشقين عنها، متناسين ومستبعدين من ذاكرتهم تجارب تاريخية مريرة وقريبة مثل تجربة رياك مشار وكاربينو كوانين وغيرها من التجارب السابقة التي أثبتت فشل هذا النهج الإقصائي.
وفي وسط هذا الركام السياسي والعسكري، يظل الضحية الوحيد والحقيقي هو المواطن السوداني المكلوم، الذي ما زال ينتظر في طوابير الصبر حلاً لهذه الملهاة المأساوية التي حصدت أرواح أبنائه وفلذات كبده، وشردت الملايين من أسرته بين نازح في الداخل ولاجئ ومشرد في دول الجوار. لقد تحول الطلاب والأجيال القادمة إلى فاقد تربوي وتعليمي يهدد مستقبل البلاد، وتوقفت عجلة الإنتاج بتعطل المصانع ودُمرت المؤسسات الحيوية التي بنيت بدم وعرق الأجيال، ليصبح الوطن هيكلاً بلا روح.
إننا ومن وسط هذه الظلمة الحالمة بفجر جديد، نرفع النداء عالياً تملؤه حرقة القلوب ودموع الثكالى والأيتام، نناشد كافة الأطراف المتصارعة في السودان، وحملة السلاح، والقادة السياسيين، بأن يتقوا الله في هذا الشعب الصابر، وأن يضعوا السلاح فوراً وينصتوا لصوت العقل والضمير الإنساني قبل فوات الأوان.
إن التاريخ لن يرحم من فرط في دماء شعبه، والوطن الذي يتمزق اليوم لن يجد من يعيد بناءه إن استمرت هذه المحرقة.
ندعو المجتمع الدولي والقوى الإقليمية الشريفة إلى ممارسة ضغوط حقيقية وصادقة لوقف إطلاق النار وفتح ممرات الإغاثة الإنسانية، لعل هذا العيد يكون نقطة تحول من تراجيديا الموت والدمار إلى رحاب السلام والأمل، ليعود السودان وطناً آمناً مستقراً يسع الجميع وتعود البسمة الشاردة لشفاه أطفاله ومواطنيه.