تقارير

انعدام السيولة النقدية يفاقم الأوضاع المعيشية للسودانيين 

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

تشهد أسواق مدن العاصمة السودانية الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان، إضافة إلى عدد من الولايات مثل الجزيرة والنيل الأبيض ونهر النيل، شللاً في المعاملات المالية لإجراء عمليات الدفع في البيع والشراء لقضاء الحاجات الأساسية اليومية، وذلك نتيجة تعطل عدد من التطبيقات البنكية وخدمات الدفع الإلكتروني، مما أدى إلى أزمة سيولة حادة وشح متزايد في تداول النقد الورقي “الكاش”، تزامناً مع تغيير فئتي الـ1000 والـ500 جنيه ضمن سياسة بنك السودان المركزي التي نفذها خلال مايو الجاري.

يأتي ذلك في وقت يعتمد ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها بصورة أساسية على التطبيقات البنكية في تحويل الأموال وتسلمها بعد تراجع توفير السيولة في المصارف، نتيجة الأوضاع الاقتصادية بسبب الحرب المستمرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ اندلاعها في منتصف أبريل 2023.

وتضج وسائل التواصل الاجتماعي منذ بدء أزمة السيولة بمناشدات عاجلة لإصلاح الأعطال المتكررة في التطبيقات الإلكترونية لضمان استمرار الخدمة التي تلقي بظلالها السلبية على تفاصيل حياة المواطنين اليومية، فضلاً عن المناشدات إلى بنك السودان للعمل على تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني.

انعكاسات سلبية

في السياق قال المواطن سيف محمد علي، الموظف بأحد القطاعات الحكومية، إن “تعطل التطبيقات البنكية يشكل هاجساً كبيراً يؤرق المواطنين، فكثير من المغتربين السودانيين يعتمدون على هذه التطبيقات في التحويلات البنكية لأهاليهم ومعارفهم، في حين يعتمد عليها موظفو الدولة في تسلم رواتبهم الشهرية، علاوة على المعاملات المالية في الأسواق والمحال التجارية”، وأضاف أن “الأعطال باتت تتكرر بصورة لافتة، خصوصاً في المواسم التي تشهد ضغطاً كبيراً على الخدمات الإلكترونية، مما يثير المخاوف من قدرة المصارف على التعامل مع هذه التقنيات، لا سيما أن أعداد المستخدمين في تنامٍ ملحوظ مع اتساع حجم التعاملات المالية عبر التطبيقات في ظل الحرب المستمرة”.

ومضى قائلاً “الحقيقة أن المشكلة أفرزت أزمة سيولة مقلقة بدأت مع إجراءات بنك السودان المركزي في استبدال بعض الفئات الورقية، مما أدى إلى انعكاسات سلبية دفع ثمنها المواطن المغلوب على أمره، إذ لم يعد يمكنه شراء مستلزمات العيد بسبب الاعتماد على التطبيقات البنكية”.

وأشار إلى أن “من الضروري معالجة أزمة السيولة سواء بتوفير النقد الورقي أو تحسين البنية التقنية للتطبيقات حتى يتسنى للمواطنين تحقيق الاستقرار الذي تنشده الحكومة”.

معاناة مضاعفة

في بعض الولايات يطلب التجار إتمام عملية البيع والشراء من طريق السيولة النقدية بدلاً من التحويلات الإلكترونية، مبررين بأن الإجراء التقني يستغرق وقتاً طويلاً في المعاملات المصرفية، وغالباً ما ينتهي بفشل العملية.

بدورها، أشارت عايدة محجوب (ربة منزل) التي تسكن مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، إلى أنها “عادت إلى منزلها مثقلة بالهموم بعد تعثرها في الحصول على مبلغ نقدي ورفض التجار في الأسواق استكمال عمليات البيع عبر التحويلات البنكية نظراً إلى تأجيلها لحين عودة التطبيقات، مما أدى إلى مضاعفة المعاناة”.

وأوضحت ربة المنزل “أزمة السيولة المتفاقمة أدت إلى ظهور ظواهر سلبية، منها أنه عندما حول لي شقيقي المغترب في إحدى دول الخليج مبلغاً من المال عبر التطبيقات البنكية لشراء حاجات عيد الأضحى، واجهتني مشكلة تعطل عمل التطبيقات، ودفعتني الضرورة إلى طلب السيولة من أحد التجار الذي فاجأني بأنه يقوم بذلك مقابل نسبة كفائدة تصل إلى 10 في المئة من كل مبلغ يتم استبداله إلى نقد، وهي خدمة يلجأ إليها المواطنون مجبرين بسبب القيود المفروضة على السيولة النقدية من قبل المصارف، مما يوضح حجم الاستغلال في ظل الأزمة التي عادت مجدداً، وانتهاز بعض التجار الجشعين هذه الأزمة”.

تراجع الأسواق

من جانبه يرى الطاهر عبدالكريم، وهو تاجر يعمل في سوق أم درمان، أن “أزمة السيولة أوقفت حال التجار في حركة البيع والشراء بحلول موسم عيد الأضحى، ويرجع ذلك إلى استبدال فئتي الـ1000 والـ500 جنيه في عدد من الولايات، مما أدى إلى توقف حركة البضائع بين الولايات بصورة نهائية”.

عملة سودانية

ولفت عبدالكريم إلى أن “ما فاقم الأزمة تذبذب عمل التطبيقات البنكية التي تعتبر وسيلة نظام ناجعة لقضاء متطلبات المعيشة، وتفادي الزحام نتيجة الضغوط على المصارف”.

وزاد التاجر “في تقديري أن رفض التجار في التعامل حالياً عبر التطبيقات الإلكترونية أمر طبيعي في ظل أزمة السيولة، فضلاً عن التخوف من أن يتم تجميد الأموال إلى وقت طويل بسبب الأعطال المتواصلة، ونحن بكل تأكيد نعلم أنها تؤثر في حياة المواطنين في ظل اتساع حجم التعاملات الإلكترونية، وإصرارنا على الدفع نقداً في عمليات الشراء فرضته مطالبات تجار الجملة الذين يوفرون لنا السلع بأن يكون التعامل نقداً”.

شريان حياة

في السياق نفسه، أوضح المحلل المصرفي وليد دليل أن “التطبيقات البنكية التي يستخدمها المواطنون في تعاملاتهم وبخاصة في ظل الحرب المندلعة لأكثر من ثلاثة أعوام، تعتبر شريان الحياة للمواطنين كافة بعدما باتت بديلاً للنقد الورقي في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة”.

ونوه دليل بأن “توقف الخدمات البنكية شل تفاصيل الحياة اليومية نتيجة تدمير البنية التحتية واستهداف مراكز البيانات وتعرض مقار البنوك الرئيسة في الخرطوم للنهب والتخريب والدمار، فضلاً عن انقطاع الكهرباء”، وتابع “أزمة السيولة الحادة في البلاد وصعوبة تداول النقد الورقي تسببا بصورة مباشرة في الضغط على الأنظمة الإلكترونية بصورة تفوق طاقتها التشغيلية، إضافة إلى صعوبة إجراء تقنيات حماية متطورة في ظل القيود الدولية، مما أسهم في بروز الأسواق الموازية التي تنشط في تداول النقد بعدما طاولت الأزمة الاقتصاد ككل وأحدثت إرباكاً في حركة التحويلات والتجارة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن تفاقم التضخم وتراجع الإيرادات العامة”.

وأشار المحلل المصرفي إلى أن “من المؤسف أن أزمة السيولة أفرزت ظواهر سالبة مثل تجارة الكاش مقابل التطبيقات بعمولات مرتفعة، إلى جانب عدم الثقة في النظام المصرفي، مما أدى إلى توجه معظم المواطنين لتحويل مدخراتهم إلى ذهب أو عملات أجنبية خشية تجميدها رقمياً أثناء الأعطال”.

تحديات وحلول

على صعيد متصل قال الباحث الاقتصادي محمد الناير إن “ما يحدث من أعطال في التطبيقات المصرفية يكشف حجم التحديات التي تواجه البنية التحتية الرقمية مع تقلصها وانحصارها في مناطق بعينها، لا سيما شمال وشرق ووسط وجنوب البلاد، التي تدخل ضمن مناطق سيطرة الجيش، بينما ظلت أقاليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان خارج نطاق البنوك من الناحية التشغيلية ونقل وتسلم الأموال والأنشطة المصرفية، مما يتطلب أن تحتاط البنوك خصوصاً أن غالبة المواطنين تعودوا على إتمام عمليات البيع والشراء الخاصة بهم من طريق التطبيقات البنكية، وهو أمر إيجابي لناحية أن النظام المصرفي قبل الحرب كان يواجه مشكلة وجود أكثر من 90 في المئة من الكتلة النقدية خارج نطاقه”.

وأضاف الناير أن “التطبيقات البنكية صادفت نجاحاً باهراً من خلال تزايد أعداد المستفيدين، على رغم عدم جودة الشبكة التي تمكنهم من إجراء المعاملات بصورة مستقرة”، موضحاً “الأمر يستدعي من البنوك الاستعداد التام للمواسم التي يرتفع فيها الطلب على التحويلات المصرفية، وأن تكون لديها القدرة على مواجهة الضغط من خلال إجراء تحسينات تجعل عمل تطبيقاتها بكفاءة عالية، بخاصة في عيد الأضحى الذي يحتاج إلى مبالغ كبيرة لشراء الأضاحي والحاجات الأخرى”.

ورأى الباحث الاقتصادي أن الحلول تبدأ بتفعيل الأنظمة المصرفية في البنوك الرئيسة حتى تكون هناك خيارات عدة، ولضمان استمرارية الخدمة وتفادي مثل هذه الأعطال وغيرها في المستقبل، إلى جانب تعزيز التنسيق بين البنوك وشركات الاتصالات لاستقرار الخدمات الرقمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع