السودانيون في ليبيا .. عالقون بين وطن ينزف ومنافي الخوف والموت
منتدى الإعلام السوداني / القاهرة 7 يونيو 2026 - (غرفة التحرير ) -
مشاهد لا إنسانية ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي يتعرض فيها سودانيون وأجانب في مدن الجماهيرية الليبية لمطاردات في الساحات والطرق العامة وحتى في المساكن وأماكن العمل, تهديدات وضرب تتخلله عبارات مسيئة ومطالبات بمغادرة الدولة.
من داخل (سجن 71 ) سيئ السمعة بمدينة طبرق الساحلية على البحر المتوسط في أقصى الشمال الشرقي للجماهيرية الليبية نقل شهادته.
يقبع (س.ع) 25 عاما، مع عدد من الشباب السودانيين والقليل من المصريين المتزاحمين في مساحة ضيقة تمكن من تصويرها. ورغم قصر مدة الفيديو الا أنه تمكن من نقل حقيقة في أي بيئة يقضون فترة احتجازهم التي امتدت بين شهر وستة أشهر حتى عامان. في بيئة اختلطت فيها رائحة العرق ودورات المياه المتسخة باليأس وفقدان الأمل.
سودانيون وصحفيون في مواجهة حملات الكراهية
يتعرض السودانيون في ليبيا مؤخراً في فترات متقطعة لحملات مناهضة للأجانب ضمن غيرهم من الجنسيات ، في رفض شعبي من بعض فئات الليبيين رافضين وجود المهاجرين وداعين الى ترحيلهم. ومؤخراً تصاعدت حدة الرفض ليواجه الآلاف من السودانيين أوضاعا خطرة يتعذر معها العيش بمأمن.
فخلال الأسبوع الأول من يونيو الجاري نظمت تظاهرات في عدة مدن ليبية تدعو لإغلاق المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ووقف عمليات منح اللجؤ. فيما ضجت منصات مواقع التواصل الاجتماعي بمعادات الأجانب والمطالبة بطردهم بما في ذلك العاملين منهم. وتضمنت المواقع مشاهد لتعرض سودانيين لعنف مباشر في الطرق ، الأمر الذي أدى لتعذر خروج الكثيرين منهم في عدد من المدن حتى لقضاء حوائجهم المعيشية في غياب تام للبعثة الدبلوماسية السودانية.
أفادت صحفية سودانية صحيفة (سودان تربيون) بتصاعد المخاوف وانعدام الأمان وخشيتها واسرتها من الخروج . وقالت : ” لم تبادر السفارة بالتواصل مع السودانيين أو الإطمئنان على أوضاعهم”.
نقابة الصحفيين السودانيين أصدرت بيانين متعاقبين عبرت خلالهما عن قلقها إزاء أوضاع الصحفيين السودانيين العالقين في ليبيا والبالغ عددهم 39 صحفيا بينهم 16 صحفية. وأشارت في بيان لاحق أن 8 صحفيين ابلغوا عن تعرضهم لانتهاكات خلال أسبوع شملت التهديد والإهانة والتحريض والتمييز في الحصول على الخدمات الأساسية بما فيها الحصول على حاجياتهم من المتاجر.
وذكرت أن أحد الصحفيين ابلغها باضطراره وأسرته للمغادرة إلى منطقة أخرى بعد تلقيهم تهديدات.
ركوب المخاطر فراراً من الخطر
الفرار إلى ليبيا رحلة تحفها المخاطر، بدءاً من محاولات الوصول إليها عبر صحارى لقي فيها العشرات حتفهم توهاناً وعطشاً، وانتهاءً بالموت غرقاً في قوارب الموت، حيث تكون الهجرة شمالاً إلى أوروبا مقصد وهدف الفرار إلى ليبيا كمعبر للكثيرين. ورغم ذلك تقدر الأمم المتحدة عدد السودانيين الفارين إلى ليبيا بأكثر من 590 ألفاً منذ اندلاع الحرب في ابريل 2023.
فيما يقدر عدد المسجلين في مفوضية اللاجئين حتى ابريل 2026 بنحو 91 ألفاً.
ويشكل السودانيين العدد الأكبر بين الجنسيات الأخرى بين المهاجرين في ليبيا ، إذ يمثلون نسبة 36% من جملة 936 ألف مهاجر حتى مطلع 2026 وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.
اللاجئين السودانيين
شهادة من داخل (سجن 71)
(س.ع) سجين (سجن 71 ) بطبرق يقول : ” كما ترون نتزاحم متلاصقين ، نتشارك الأغطية عند النوم وقد تلاصقت اجسادنا.. “.
دورة مياه تتوسط الغرفة ورغم عتمتها ينبئ ما ظهر منها في الفيديو، مدى قذارتها . يقول ” في هذا الحمام الذي لا يبعد سوى سنتمترات من موضع رؤوسنا، نقضي حاجتنا ونشرب من حنفياته ذات المياه المالحة.. ونُحظى في اليوم بقطعة خبز مع مثلث جبن ” .
ويذكر أن السجناء من زملائه السودانيين تم توقيفهم أثناء قدومهم من مصر. ويقول : ” قدمت إلى ليبيا عبر التهريب بحثاً عن عمل.
القي القبض علينا مع عدد من الشباب فور دخولنا الحدود الليبية .. وهناك حوالي 60 فتاة سودانية في هذا السجن .. السلطات السودانية لم تتحرك لتفعل شيئاً حيال ما يحدث لنا .. حتى السمسار السوداني الذي قام بتهريبنا وتواصلنا معه لم يفعل شيئا وتسلم نقوده ولاذ بالصمت” .
(س.ع) في إنتظار إرسال مبلغ 1000 دينار ليبي من قبل أسرته ليفك أسره.
وقال موضحا : ” أخبرنا عساكر السجن علينا دفع المبلغ حتى يتثنى لنا الخروج .. اخبرونا أن المبلغ خاص بإجراءات الكرت الصحي وتوفيق أوضاعنا وبعدها يمكننا الخروج والعمل بشكل عادي”.
المعلومات عن (سجن 71) تشير إلى أنه ليس سجناً نظامياً، بل هو مركز خاص بالفرقة 71 من (حرس الحدود) وخصص لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين . ووثقت وسائل الإعلام شهادات لمحتجزين من جنسيات مختلفة وعن تعرضهم لانتهاكات وعمليات ابتزاز.
متحدث عن وزارة الداخلية بمدينة اجدابيا في شمال غرب ليبيا، قال في مقطع تم بثه تحققنا من صحته، أن من يتم القبض عليهم من المهاجرين غير الشرعيين يتم احضارهم إلى جهاز فرع اجدابيا القضائي وتتخذ ضدهم إجراءات قانونية لإبعادهم إلى بلدانهم، ولم يستثني في ذلك الجنسية السودانية رغم الحرب. وأقر بحملة أمنية مكثفة من جانب السلطات لضبط العمالة المخالفة.
وكشف عن أن عدد السودانيين الذين تم ضبطهم باجدابيا خلال شهر مايو 2026 فقط وسيتم إبعادهم بحوالي 31 شخصاً، 24 منهم صنفوا كمصابين.
فيما لم يفصل أمراضهم تحديداً، إلا أنه أشار أن الإصابة لكل من تم توقيفهم من جنسيات مختلفة، تشمل أمراض الدرن وإلتهاب الكبد الفيروسي والإيدز. ما يشير إلى أوضاع صحية متردية وسط السودانيين هناك.
لماذا حملات الكراهية الآن؟
رغم أن الوجود السوداني في ليبيا ليس بالجديد ، حيث عرفت الجمهورية الليبية العمالة السودانية منذ عقود تعمقت خلالها علاقات تاريخية بين الشعبين، في وقت كانت الهجرة فيه منظمة نسبياً وفردية بغرض العمل.
إلا أن الحرب في السودان دفعت بعشرات الآلاف إلى الدولة التي تواجه أصلاً ظروفاً وتخلخلاً اقتصاديا وسياسيا وأمنياً . ما دفع للنظر لتلك الموجات من اللاجئين كتهديد وضغط إضافي على الخدمات والسكن وفرص العمل.
وسط انتشار معلومات مضللة عكست في الغالب صورة نمطية عن ما يمكن أن تحدثه تلك الجنسية من تهديدات أمنية مع بروز مزاعم بعزم مفوضية اللاجئين منح السودانيين من المهاجرين توطيناً دائماً في ليبيا ما أحدث مخاوف من تغيير التركيبة السكانية في الجماهيرية . في وقت نفت فيه المفوضية الدولية تلك المزاعم.
مقارعة الموت من أجل حياة كريمة
بكري الشاب ذو ال24 عاما، لازمته رحلات النزوح واللجؤ منذ طفولته ، من وادي صالح بدارفور نزح إلى الخرطوم طفلاً مع والدته وإخواته بعد أن فقد والده هناك إبان المعارك. حينها ظن أن الخرطوم مستقره حتى اندلاع الحرب في 2023 ، لينزح من جديد إلى ولاية الجزيرة راجلا مع أسرته . غير أن إقامتهم بالجزيرة لم تطل بعد انتقال الحرب إليها.
وعلى ظهور (البكاسي) قدم بكري إلى مصر في ظروف عدم استقرار بين مساءلة من الإقامة ومخاوف التوقيف والترحيل وتعسر الحصول على عمل أو دراسة . لتراوده فكرة الهجرة بعيدا إلى أوروبا عبر ليبيا كغيره من الكثير من الشباب الذين ضاقت أمامهم الخيارات.
ويقول بكري : ” اريد السفر إلى ليبيا رغم المخاطر .. لا سبيل لمستقبل غير ذلك ، فإما حياة كريمة في أوروبا التي قد تحترم حقوق الإنسان ، أفضل أن أموت وأنا أحاول تحقيق حلمي ..”.
غادر بكري بعد روايته تلك إلى ليبيا ولا نعلم عن مصيره أهو بين المطاردين في الطرقات ، أم حبيسا في داره أو أحد السجون ، وربما ركب البحر ليواجه مصيرا مجهولا بين الظفر بالوصول لوجهته أو الموت.
لا توجد احصائيات دقيقة لعدد السودانيين الذين لقوا حتفهم في رحلات قوارب الموت بالبحر المتوسط.
ولكن اعتماداً على نسبة السودانيين في ليبيا التي تشكل النسبة الأكبر بين الجنسيات ، الحوادث الكبيرة التي رصدتها المنظمات الدولية و وسائل الإعلام فإن العشرات إن لم يكن المئات من السودانيين قد لقوا حتفهم وكان السودانيين يمثلون معظم الضحايا في تلك الحوادث.
ففي سبتمبر من العام 2025 أدت حادثة غرق مركب في عرض المتوسط لوفاة نحو 50 لاجئ سوداني قبالة سواحل طبرق. كما أفادت مفوضية اللاجئين بغرق قارب يحمل 74 شخصا معظمهم سودانيين . فيما تجاوز عدد من لقوا حتفهم في بداية هذا العام 2026 وحده 600 شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة.
المنظمة الدولية للهجرة سجلت أيضا مئات الوفيات والمفقودين سنويا على طريق البحر المتوسط إنطلاقا من ليبيا . ففي الفترة من يناير – سبتمبر 2025 سجل نحو 900 حالة بين وفاة وفقدان على قوارب الموت.
بين حرب دفعتهم إلى الفرار من وطنهم، وموجات كراهية تلاحقهم في بلد اللجوء، يجد آلاف السودانيين في ليبيا أنفسهم عالقين في مساحة ضيقة بين الخوف واللايقين.
فبعد أن نجوا من القصف والقتل والنزوح في حرب لم يختروها، يواجه كثيرون ممن يمثلون الحلقة الأضعف معركة جديدة من أجل الكرامة والأمان والحق في الحياة، في حدود مغلقة أوبحرٍ ابتلع أحلام الكثيرين. وسط غياب السلطات السودانية وتجاهل المجتمع الدولي.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد (غرفة التحرير ) لعكس ما يتعرض له السودانيين في ليبيا مؤخرا من حملات مناهضة للوجود الأجنبي. حيث يتعرض الآلاف من الذين فروا من ويلات الحرب طلباً للأمان وبحثا عن فرص عمل طلباً لحياة كريمة افتقدوها في وطنهم جراء الحرب والإنتهاكات، ليواجهوا برفض وجودهم وفق حملات ممنهجة باتت مهددة لحياتهم أو زج بالعشرات منهم داخل السجون في حالة يأس وبؤس دفع بالكثيرين لركوب قوارب الموت.