​عبدالوهاب الصادق.. الفنان الضاحك الباكي

محمد عبد الماجد

عندما كانوا يقولون عنه عبد الوهاب الصادق كنت أقول عنه بل هو عبدالوهاب الصافي، انتساباً لأغنيته الشهيرة التي أشاعت (التصافي) في السودان: «ما أحلى التصافي من بعد التجافي.. الكان بينا حاصل أسباب ليه ما في»، وهذه قفزة لعبد الوهاب الصادق أو الصافي؛ لأنه لم يجعل الخلاف والتجافي، إلا من أجل أن يكون (التصافي) أحلى… هذه الأغنية تنظر لها باعتبارها أغنية بسيطة، لكن فيها عمقاً وفلسفة.. فيها ثقافة للتصافي بالمنطق.. فيها تحليل للتجافي من أجل أن يكون التصافي أحلى.

​انظر إلى رسالة الفنان، فهو ينادي بترسيخ قيم جميلة ويدعو إلى فضيلة التصافي، وعبقرية عبدالوهاب الصادق تتمثل في أنه جعل الصفاء أمراً يحتاج إلى غربلة وتصافٍ، فأنت في حاجة إلى مجهود لإزالة الترسبات والخلافات والتجافي الذي حدث بفعل فاعل.

​هذه الأغنية من كلمات الشاعر بابكر محمد أحمد، يحسب لعبد الوهاب الصادق أنه قدم شعراء اشتهروا معه وعرفوا به، وهذا ما سنتوقف عنده مع بعض شعراء أغنياته.

​استطاع عبدالوهاب الصادق أن يروج إلى قيم نبيلة، والمجتمع السوداني في حاجة إلى هذه الثقافة.

​انظر إلى عمق هذه الفلسفة، لا تنظروا إليها بأنها مجرد كلمات وخلاف عاطفي، الموضوع أكبر من ذلك، هذا أمر يجب أن يكون قاعدة في خلافاتنا: (تعال أنا وأنت نجلس ونحاسب ضميرنا.. ليه البينا حاصل نحكم فيه غيرنا.. لو ليك وإلا ليّ.. عليك أو عليّ.. بينا صلات قوية ما بتقبل تجافي).

​عبدالوهاب الصادق وضع بنفسه لحن هذه الكلمات، فتوافق اللحن مع الكلمات، وتواكب مع صوت يعتبر من أجمل الأصوات الغنائية في السودان، إذا كنت عائدًا من العمل وسمعت هذه الأغنية سوف تنفض من جسدك ونفسك كل التعب، أمسياتنا في الماضي كنا نتربص فيها أو بها لا أدري لنصيد مثل هذه الأغنيات، سوف تكون في غاية السعادة إذا قدمت إذاعة أم درمان هذه الأغنية في مساء فاتر، سوف تعود إلى البيت وأنت في قمة التصافي.

​وسوف تكون سعيداّ جدّاً إذا استمعت لهذه الأغنية وأنت راكب في مركبة عامة في طريقك إلى البيت بعد يوم مرهق.

​عبدالوهاب الصادق كان ماركة للقيم والمثل العاطفية، يغني لمبادئ مجتمعية جميلة، يفعل ذلك بطريقته، ويقدم لنا تلك القواعد في إبداع.

​إن الغناء الشعبي أو الأغنية الشعبية بشكلها المعروف بدأت من محمد أحمد عوض وهو أول من عرف الأغنية الشعبية بمواصفات خاصة تجمع بين ما هو تراثي وما هو شعبي، محمد أحمد عوض جمع في أغنيته بين بساطة الكلمات وصدق المشاعر، وأدخل بعض الآلات الموسيقية في الأداء الغنائي للأغنية الشعبية إلى جانب الكورس أحد ثوابت الأغنية الشعبية .. للرق صوت عالٍ في الأغنية الشعبية، وله سيادة وسطوة، ولا تستطيع أن تبعد (الرق) من أغنيات محمد أحمد عوض، الذي يوظفه بطريقة رائعة ومختلفة، محمد أحمد عوض يضرب الرق، ثم يطبق يديه على صدره وينظر إلى الكورس، هذه دراما لا يمكن أن تفصلها عن أغنيات محمد أحمد عوض، هو له الفضل في استقلالية الأغنية الشعبية، وقد اجتهد من بعده فنانون آخرون في إضافات جديدة في الأغنية الشعبية، فأدخلوا البيز والماندلين في الأغنية الشعبية كما فعل ترباس ومحجوب كبوشية ونور الجيلاني وحسين شندي، هؤلاء كلهم أضافوا للأغنية الشعبية ولا ننسى عبدالكريم عبدالله الذي يعتبر من الرواد في هذا المجال، وعبدالله الحاج الذي اشتهر بأغنية (زهرة السوسن)، وعبد الله محمد والأمين البنا ويبقى محمود علي الحاج صاحب بصمة لا تخفى في هذا المجال، وهل ننسى لمحمود علي الحاج أروع الأغنيات السودانية (مالك مجافي الناس عايش براك في غربة)، انظر إلى هذا الطرح الجميل، الأغنيات الشعبية تتميز عن الأغنيات الأخرى في أنها لها قدرة أكبر في الوصول للقلب، هي تمس أوتاراً حساسة وتناقش أموراً لا تناقشها ولا تطرحها إلا الأغنيات الشعبية، أي زول في السودان بتكون في أغنية شعبية مسته في حتة، وكسرت فيه ضلعة وعبرت عنه بشكل خاص.

​الإبداع في العام هو أن تشعر أن ذلك الشيء العام يعبر عنك بشكل خاص، والأغنية الشعبية تفعل ذلك.

​كمال ترباس أحد علامات الأغنية الشعبية الذي حقق نجومية تفوق بها حتى على فناني الأغنية الحديثة، نجومية ترباس تعدى بها أغلب فناني الأغنية الحديثة وأضاف كمال ترباس على ذلك في أنه جعل قيمة الفنان الشعبي ونجوميته أعلى ليكسر بذلك نظرة الناس والإعلام للفنان الشعبي.

​هل تعلم أن عبدالوهاب الصادق كان أكثر نجومية وجماهيرية من كمال ترباس وأن أغنياته كانت تقدم في طوابير الصباح في المدارس، رغم أنها أغنيات عاطفية، وعبدالوهاب الصادق يعود له الفضل في إدخال (البيز) في الأغنية الشعبية.

​قال أحمد ابن الشاعر محمود فلاح في حوار تلفزيوني إن تدافع الجماهير في حفلات عبدالوهاب الصادق أدى إلى أنهم في مدينة نيالا لجأوا إلى إقامة الحفل من دورين حتى يعرفوا أن يتعاملوا مع كثافة الجمهور وتدافعه على الحفل.
​ولد الفنان عبدالوهاب الصادق في منطقة أبو قوتة بولاية الجزيرة غير أن جذوره ترجع إلى منطقة المحمية بولاية نهر النيل… والقرى التي تقع بين بربر وشندي قدمت للسودان الكثير من المبدعين، الحس الفني في تلك المناطق عالٍ.

​جاء عبدالوهاب الصادق للعاصمة وعمره 15 عامًا واستقر في حي بانت حتى عرف في بدايته الفنية باسم عبدالوهاب بانت.

​كان عبدالوهاب الصادق في بداياته متأثراً بالفنان إبراهيم عوض، لكن سرعان ما استقل بنفسه وقدم لونيته الخاصة.
​تحرك عبدالوهاب في منطقة لم يتحرك فيها غيره، لذلك كان متفردًا وهو يقدم أغنيات تميزت بالخصوصية.

​أول أغنيات عبدالوهاب الصادق التي سجلها في الإذاعة كانت أغنية (هل لي هلالو) وهي من كلمات محمود أبوالعلا.

​انضم عبدالوهاب الصادق لدار فلاح وغنى للشاعر أحمد فلاح (يا عينيا النوم النوم)، وغنى له: «آنَ حِمامي ناحَ حمامي.. عشان يا حبيبي ما حفظتَ زمامي.. لو حفظتَ زمامي وجيت جلستَ أمامي.. كنتَ طبتَ وزال إحتمامي»، وغنى لمحمود فلاح أغنية (حبيبي الحلوين أهلاً جوني وأنا ما قائل حلوين زي ديل يزوروني) وهي أغنية كانت تمثل عافية لكل مريض عندما يزوره حبيبه الحلوين.

​لعوض جبريل غنى عبدالوهاب الصادق (وليد دارفور) وهي أغنية تدعم النسيج الوطني، رغم أن الأغنية عاطفية وكتبت بكلمات بسيطة.

​لمكاوي شيخ الأمين وهو شاعر لطيف ورقيق رحل في عام 2025م غنى عبدالوهاب أشهر أغنياته (ست الريد بقت نساية) التي يقول شاعرها فيها: «جار زمنِي ورماني برايا.. بي كل الخطوب وبلايا.. قدري الصاب.. سلبني شباب.. تركني يباب.. جفوني أحباب.. نديمي الليل سميري غنايا»، وهي أغنية عن قصة حقيقية لشاعرها مكاوي شيخ الأمين، وأغنيات عبدالوهاب الصادق نجحت لأنها أغنيات صادقة، فكل الشعراء الذين تغنى لهم عبدالوهاب غنى لهم عن قصص حقيقية عاشوها، عبدالوهاب الصادق كان فعلاً هو عبدالوهاب (الصادق) في أغنياته وفنه، لذلك وصل للناس وعاشوا معه أغنياته.

​للتجاني حاج موسى غنى عبدالوهاب (بعد ما فات الأوان الليلة جاي تعتذر وترجع الريد الزمان من وين أجيب ليك العذر).. كل هذه الأغنيات أغنيات عميقة وكبيرة كانت تكتب في خلفية العربات واللواري، وكانت أي أغنية بتعبير هذا الزمن تمثل (حالة) أي زول في السودان.

​لقد دخل عبدالوهاب الصادق في كل تفاصيل قصصنا الغرامية، لا توجد قصة حب في السودان خالية من أغنيات عبدالوهاب الصادق، فقد كانت أغنياته هي الأقدر للتعبير عن قصصنا الغرامية.

​عبدالوهاب الصادق صاحب صوت فريد، يقدر أن يعبر عن المشاعر بصورة حسية، عبدالوهاب الصادق هو عندي من أجمل الأصوات التي عرفها تاريخ الغناء في السودان وأنا أعتبر عبدالعزيز محمد داود والنعام آدم وبادي محمد الطيب وصديق أحمد وصلاح بن البادية وعبد الوهاب الصادق وأبو عبيدة حسن أصواتاً نادرة، لا يمكن أن تتكرر وهي حتى على المستوى العالمي يمكنها أن تتصدر بورصة الأصوات.

​الأغنية الشعبية لها تأثير كبير في حياتنا وفي مجتمعنا السوداني، لا أظن أن هنالك حفل زواج يمكن أن يقدم دون أن تقدم فيه أغنية شعبية وإلا كان ذلك الحفل ناقصًا، وهنا لا يفوت عليّ أن أقف عند صوت يعتبر أيضًا من أجمل الأصوات ليس في السودان بل في العالم وأغنياته كانت تتواجد في أي حفلة، والحديث هنا أبو عبيدة حسن وأغنياته، والإضافة التي أحدثها أبو عبيدة حسن هو أنه أدخل الطمبور في الأغنية الشعبية ليكون جنباً إلى جنب مع الكورس الغنائي.

​عبدالوهاب الصادق قدم أيضاً أغنية أعتبرها من روائع الأغاني السودانية، أغنية تمثل حالة فريدة وتقدم أقوى مرافعة عاطفية في التاريخ: (بعد ده كلو كمان بتشكي.. ما كفاية الشفتو منك والله أكتر من بكي)، عندما تسمع هذه الأغنية لا تملك إلا أن تتعاطف مع صاحب الحالة، الأغنية من كلمات عبدالله شرفي واسمها (كلمة عتاب) وألحان عوض جبريل، قدمها عبدالوهاب الصادق في عام 1970م، وهي تؤكد أيضاً كلامنا الأول وهو أن هنالك شعراء عرفوا واشتهروا مع عبدالوهاب الصادق، هو كان له شعراء خاصة، لذلك تميز، أغنياته لا تشبه أغنيات الآخرين.

​عبدالوهاب الصادق غنى (أنا الفي الدنيا ما مرتاح)، وهي أغنية كانت تعبر عن شقاوة الكثيرين.

​في أغنيات عبدالوهاب الصادق حزن كبير، مع ذلك يقدم عبدالوهاب الصادق أغنياته بلحن طروب ووجه مبتسم، لذلك نقول عنه إنه هو الفنان الضاحك الباكي.

​ليس هنالك أغنية فارقة في الحزن والوجع أكثر من أغنية عبدالوهاب الصادق (الجرح جرحي برأي منو البقاسي معاي) هذه الأغنية كتبتها الشاعرة الراحلة حكمت محمد يس وهي أخطر من كتبت الشعر الغنائي من شاعرات السودان، بل هي أفضلهن على الإطلاق فقد استطاعت حكمت محمد يس بنون النسوة أن تتفوق على ألف واو الجماعة، لأنها كتبت بإحساس صادق وإبداع فريد، وللشاعرة حكمت محمد يس روائع عديدة مع فنانين آخرين، كانت علامات بارزة في مسيرتهم الفنية وكانت أغنياتها أجمل أغنياتهم، غنى لها ترباس (صدقني ما بقدر أعيد) وغنى لها محمود تاور (لي سنين بريدك.. لا فترت عواطفي كل الشفتو منك ما غير مشاعري)، هذا كلام لا تنتجه حتى حقول الزهور في ضواحي باريس.

​أغنية (الجرح جرحي براي منو البقاسي معاي)، كانت هي ماركة الدواء الأعلى للجروح، لا يوجد جرح في السودان ينزف كان لا يوقف بهذه الأغنية البديعة.. إنها أغنية تجمّل الجراح وتجعلها مبلوعة وتمنح الصبر عليها.

​مع أن عبد الوهاب الصادق ابتعد عن الأضواء وترك الغناء منذ 1998م بعد أن فقد صوته وأصبح غير قادر على الكلام، إلا أنه كان حاضراً ولم يغب عن الساحة الفنية وكان يتواجد بأغنياته في كل الأفراح والأعراس.

عبدالوهاب الصادق غنى للمريخ واشتهر بمريخيته واكيد أنه أضاف للمريخ.
​…
​متاريس
​في يوم السبت 6 يونيو 2026م في هذا التاريخ المميز رحل بالعاصمة السودانية التي رفض عبدالوهاب الصادق مغادرتها وقبر فيها بعد حياة حافلة ورحلة طويلة.
​اللهم ارحمه واغفر له وأسكنه فسيح جناتك، واجعل مرضه ومعاناته لأكثر من ربع قرن كفارة له، فقد قابل ذلك الابتلاء بصبر ورضاء.
​…
​ترس أخير : ولا حول ولا قوة إلا بالله.

Exit mobile version