في موقف يعكس مدى قوة إرادة الجماهير وقدرة الحراك الجماهيري على التحدي، قامت قطاعات من المجتمع، بإرسال رسائل واضحة لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية، وللتيار التسووي الذي فشل في التوافق حتى على عزل المؤتمر الوطني وواجهاته في فعالية أديس أبابا، ورضي تياره الأكبر الذي يحمل وزر شراكات الدم بتوقيع بيان مع الكتلة الديمقراطية واجهة المؤتمر الوطني وشريكته في الانقلاب على حكومة شبه المدنية، مفاد هذه الرسائل هو أن قوى شعبنا الحية مازالت في الميدان، ومازالت تعمل بجد من أجل انتزاع حقوقها المشروعة، وأنها لن تستسلم ولن تتراجع ولن تساوم.
فما تقوم به لجنة المعلمين من حراك منظم على أساس فئوي أدى إلى إضراب واسع في عدة ولايات، سبب ذعرا حقيقيا لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية، أكد أن الأجسام التي كونتها القوى العاملة بالتوازي مع نقابات المنشأة التي أسستها الإنقاذ لتدمير الحركة النقابيّة، قادرة على الدفاع عن عضويتها وزلزلة السلطات التي تتغافل عن تقديم الخدمات الضرورية للشعب، وتنفق إنفاق من لا يخشى الفقر على الحروب وتدمير البلاد من أجل إبقاء الحركة الإسلامية المجرمة المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأميركية كمنظمة إرهابية في السلطة.
فحراك لجنة المعلمين، أثبت إمساكها بقضايا منسوبيها، التي تبدأ بحقوقهم المشروعة المرتبطة بوضعهم الوظيفي، وتمر بإعادة تأهيل المدارس التي دمرتها حرب اللجنة الأمنية المنقسمة على ذاتها، وتستصحب مشكلة الإجلاس ومعالجة مشكلات الطلاب، وتتضمن التصدي لكامل مشاكل العملية التعليمية، في تصد سلمي رائع، واستخدام حكيم لسلاح الإضراب على أساس فئوي. ولا يفوت أي شخص منصف، رؤية الجسارة الكبيرة، والانضباط عالي المستوى، لعاملين يعكسون مدى قوة الحركة النقابيّة وقدرتها وعملها الدؤوب على انتزاع الحقوق، مهما كانت الظروف التي تعيشها وتواجهها، انطلاقا من قضاياها الفئوية، في تأكيد على أن إرادة الجماهير في القطاع النقابي مازالت حاضرة وفاعلة ومؤثرة، وأن تقاليد الحركة النقابيّة وأسلحتها المجربة التي ساهمت في صنع ثورة ديسمبر المجيدة مازالت تدفع بالنقابيين إلى النزول إلى ميدان المواجهة دون تهيب او تردد.
واكب هذا الحراك النقابي الملهم، حراك جماهيري آخر لا يقل عنه أهمية، متمثلا في احتجاجات الولاية الشمالية عامة من أجل الكهرباء، وتحديدا احتجاجات عبري والعفاض للمطالبة بالإمداد الكهربائي، التي جاءت من عمق المعاناة التي صنعتها حرب فئات الرأسمالية الطفيلية المعادية للقوى المنتجة.
فالجماهير التي خرجت، لم تخرج بحثا عن رفاهية أو وضع متميز، بل خرجت تبحث عن عصب حياتها باعتبار أن هذه المناطق مناطق زراعية، تعتمد في زراعتها على الكهرباء اعتمادا كليا، منذ أن تخلت عن الجازولين لارتفاع تكاليفه وندرته، ودفعتها الإنقاذ قسرا للتحول للكهرباء تحت مزاعم توفرها من سد مروي. فالواضح أن هذه الجماهير المنظمة التي خرجت في احتجاجات سلمية بهية ومنظمة، أكدت أنها قد تجاوزت صدمة الحرب وكسرت حاجز الخوف مجدداً، واستعادت روح ثورة ديسمبر المجيدة التي بدأت شرارتها الأولى لجان المقاومة في جنوب النيل الأزرق ولم تبدأ من المركز، وأنها أعادت ترتيب أولوياتها ضد الحرب ومع السلام والاستقرار ومعالجة قضايا الناس، لا مع الحرب والدمار وقصف المنشآت الحيوية من قبل طرفيها.
وكسر حاجز الخوف وتمسك الجماهير بقضاياها والخروج للمواجهة رغم أنف سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، لم يترك مجالا للأخيرة سوى الركون إلى سلاحها الوحيد وقمع هذا الحراك بعنف غير مسبوق، في محاولة لوأده في مهده ومثال لذلك عنف السلطة في عبري، لأنها تدرك أن تمدد مثل هذا الحراك يعني دق مسمار أول في نعشها توطئة لتشييعها إلى مزبلة التاريخ في المستقبل.
والدروس المستفادة من هذا الحراك الجماهيري الذي عاد بقوة وبصورة مبشرة، يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- صحة قانون الثورة الذي يقول ان “الثورة نقابة ولجنة الحي”، وأن النضال السلمي يسير في اتجاه تحقيق غاياته بتحالف هاتين القوتين القاعديتين لا بالتحالفات الفوقية للنخب.
2- صحة الرهان على حركة الجماهير القادرة على كسر حاجز الخوف وإعادة تنظيم نفسها، في ظل الحرب والظروف المعادية المحيطة بها، وانحسار المد الجماهيري، والهجمة الشرسة من قبل سلطة الأمر الواقع غير الشرعية على المجتمع ومحاولة احتواءه بخطاب شعبوي يؤسس لاستمرار الحرب المدمرة وتأجيل قضايا الجماهير ويقصف العقول بمحاولة توظيف الحق المشروع في الدفاع عن النفس لتحويله إلى حرب كرامة تستخدم لإفقار المواطنين وإذلالهم.
3- تأكيد حضور الشارع وقدرته على إعادة تنظيم نفسه انطلاقا من قضاياه الحيوية المطلبية ذات البعد السياسي، ليرتقي عبر التراكم وتوسع الحراك للمطالب السياسية المباشرة بإسقاط النظام مستقبلاً، مثلما حدث في ثورة أكتوبر المجيدة. وذاكرة شعبنا تحتفظ بمسيرة يناير 2018م ضد ميزانية ولاية الخرطوم التي سبقت الثورة بحوالي عام.
4- أن الجماهير غير معنية بالتنازلات المجانية التي تقدمها التحالفات الفوقية لسلطة الأمر الواقع، بالجلوس والتوقيع مع حلفاء سلطة الأمر الواقع غير الشرعية والمشاركين في هذه السلطة منذ انقلابها على حكومة شبه المدنية القائمة على شراكة الدم، وأنها في مواجهة منظمة مع هذه السلطة لا في إطار توافق وتفاهمات، ستقود حتماً لتنازلات لم تفوض الجماهير أحد للقيام بها، وسنرى من جلس ووقع مع الحلفاء والشركاء، يجلس ويوقع مع الذراع العسكرية والأمنية الضاربة للإنقاذ قريبا في تسوية مبنية على مزاعم الواقعية من أجل إنهاء الحرب.
ومفاد ما تقدم هو أن الحراك المنظم قد بدأ، على عكس ما يبني عليه التسوويون حساباتهم، القائمة على تغييب حراك الجماهير مستفيدين من انحسار المد الجماهيري الطبيعي بسبب الحرب وعنف السلطتين الانقلابيتين غير الشرعيتين.
وهذه البداية مجرد تنبيه لهم بأن الجماهير حاضرة وإرادتها سوف تكون فوق الجميع، وأنها ستفاجئهم كما فاجأتهم في ثورة ديسمبر وهم يعدون العدة لخوض انتخابات 2020م الانقاذية بزعم استحالة حدوث ثورة. فالحراك يبدأ ضعيفا بحكم الظروف الحاكمة، ولكنه ينمو عبر تراكم معقد وتضحيات حتى يصل إلى غاياته.
وبدايته إنذار لسلطة الأمر الواقع والتسوويين معاً، بأن مصير سلطة الأمر الواقع وسلطة التسوية وشراكة الدم القادمة، تكتبه الجماهير وبوحدتها وتحالفاتها القاعدية، التي ستكنس السلطة الحالية والمستقبلية الناتجة عن أي شراكة دم مهما كانت سماتها أو محاولة إخفاءها وتجميلها وفرضها.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!