خيار الحل السياسي السلمي

عمر الدقير

لم يُخطئ المؤرخ ويل ديورانت – صاحب “قصة الحضارة” – حين وصف التاريخ الإنساني بأنه حالة حربٍ متواصلة، وأن فترات السلم ليست سوى هدناتٍ عابرة لاستراحة المحاربين وتنظيف الأسلحة وإحصاء الغنائم؛ غير أنّ هذا التاريخ الدامي لم يخلُ من إراداتٍ نبيلةٍ تنهض لإطفاء نار الحرب والانتصار للسلام.

وفي هذا السياق، يبرز اسما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، في وساطتهما بين أمريكا وإيران بجهود دبلوماسية شاركت فيها عدة جهات بدرجات متفاوتة، ودعمتها مواقف دول الخليج العربي التي تمسكت بحق الدفاع عن أمنها، ودعت في الوقت ذاته إلى تغليب الحوار والحلول السلمية، وهو ما تجلّى في الدعوة المشتركة التي وجهتها السعودية والإمارات وقطر للرئيس الأمريكي – قبيل انتهاء الهدنة – لإفساح مزيدٍ من الوقت للدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر عاشتها المنطقة على إيقاع حربٍ مفتوحة – تجازوت آثارها ساحات المواجهات المباشرة إلى الاقتصادات في العالم وإلى حياة الناس بما سببته من ندرة السلع وارتفاع أسعارها، وأبقت الجميع في حالة من القلق واللايقين – أعلنت باكستان أن جهود الوساطة تُوِّجت باتفاق الطرفين على الوقف الفوري للعمليات العسكرية.

وفي ذلك ما يؤكد أن مسار الحل السلمي، الذي يُسْلَك بالحكمة والصبر، هو الخيار الذي يُجنِّب الشعوب ويلات النزاعات المسلحة وتداعياتها.

هذا الاتفاق، الذي حظي بترحيبٍ واسع، يجدد التأكيد على حقيقةٍ راسخة في التاريخ: أن الحروب تنتهي عند طاولة التفاوض؛ وحرب السودان ليست بِدْعاً من ذلك، ولا مهرب من حقيقة أن الخلاص من كارثتها يكمن في اعتماد خيار الحل السياسي السلمي.

من قلب التنازع المُدمِّر الذي طال أمده في بلادنا – وبما خلّفه من معاناةٍ إنسانية فادحة وما يثيره من هواجس على وحدتها – نتمنى أن تنهض إرادة السلام ببصيرةٍ سديدة تُهذِّب صخب السياسة وتُسكِت البنادق، وتَشُقُّ طريق الحوار المفضي إلى التوافق على أسسٍ جديدة لبناء وطنٍ يسع جميع أهله بشروط الوجود الكريم.

Exit mobile version