السودان .. من يكتُب الرواية الأخيرة ؟

عبد الجليل سليمان

ليست كل التصريحات الدبلوماسية تُقاس بما تضيفه من معلومات، فبعضها يكتسب أهميته لأنه يكشف تحولًا في طريقة قراءة الحرب أكثر مما يكشف تطورًا في الحرب نفسها. ومن هذا النوع جاءت تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن، حين قال إن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ظل يرفض، مرة بعد أخرى، المقترحات الأميركية الخاصة بهدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، وإن أحدث تلك (الرفضات) جاء في اليوم نفسه الذي قُدمت فيه آخر صيغة للمبادرة.

في ظاهر الأمر، يبدو المشهد مجرد مبادرة جديدة انضمت إلى قائمة المبادرات التي انتهت إلى الفشل. لكن السياسة الدولية لا تتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثًا معزولة، وإنما بوصفها سرديات تتشكل تدريجيًا. فالحروب لا تُحسم في الميدان وحده، بل تُحسم أيضًا في الرواية التي يقتنع بها العالم عن أسباب استمرارها، وعن الطرف الذي يتحمل مسؤولية إطالة أمدها.

ولهذا، فإنّ أهمية تصريحات بولس لا تكمن في كشفها عن رفض الهدنة فحسب، وإنما في أنها نقلت هذا الرفض إلى منصة دولية رفيعة، وربطته بصورة مباشرة بمستقبل العملية السياسية. وهذه ليست مسألة لغوية أو بروتوكولية، بل تطور سياسي قد تكون له دلالاته في كيفية مقاربة واشنطن للأزمة السودانية خلال المرحلة المقبلة.

فالبرهان أعلن أكثر من مرة أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تسبق تفكيك قوات الدعم السريع، بينما تنطلق المقاربة الأميركية – وفق ما تعكسه تصريحات بولس – من فرضية مختلفة، مؤداها أن الهدنة الإنسانية تمثل المدخل الضروري لوقف دائم لإطلاق النار، وأن هذا الوقف هو الذي يهيئ البيئة المناسبة لأي عملية سياسية. وبين التصورين تكمن فجوة ليست تكتيكية فحسب، بل تعكس اختلافًا في فهم ترتيب الأولويات بين من يراهن على الحسم العسكري ومن يراهن على التسوية السياسية.

هذا التباين يفسر جانبًا من حالة الانسداد الحالية. فالجيش يرى أن أي تفاوض لا يضمن إنهاء التهديد العسكري سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، بينما تبدو واشنطن مقتنعة بأن استمرار العمليات العسكرية يجعل الوصول إلى تلك الغاية أكثر صعوبة، ويضاعف الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب.

لكن اللافت في إحاطة بولس أن الحديث لم يتوقف عند الهدنة. فقد أشار إلى أن أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لطرفي النزاع، وهو توصيف يعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا بأن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية متشابكة. وكلما اتسعت دوائر التدخل الخارجي، تضاءلت قدرة الفاعلين السودانيين على التحكم الكامل في مسار الصراع أو في شروط إنهائه.

وجاء التحذير الأميركي بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية ليضيف بعدًا آخر لا يقل أهمية. فمثل هذه الرسائل لا تُطلق عادة في المحافل الدولية من باب الإنذار الخطابي وحده، بل غالبًا ما تكون مقدمة لإجراءات سياسية أو قانونية أو عقابية إذا توافرت لدى الدولة المعلنة قناعة بوجود مبررات كافية لذلك. ولهذا، فإن إعلان واشنطن استعدادها لفرض عقوبات جديدة ينبغي قراءته باعتباره جزءًا من تصعيد الضغوط، لا باعتباره مجرد موقف إعلامي.

ومع ذلك، سيكون من المبكر الجزم بأن الولايات المتحدة انتقلت إلى مقاربة جديدة بالكامل تجاه أطراف الحرب. لكن من المشروع القول إن لهجة الخطاب الأميركي تبدو أكثر مباشرة مما كانت عليه في مراحل سابقة، وأن تصريحات بولس قد تمثل مؤشرًا على ميل متزايد نحو تحديد المسؤولية السياسية عن تعثر مسارات التهدئة، بدل الاكتفاء بتوزيع المسؤولية بصورة عامة على جميع الأطراف.

وهنا تبرز المفارقة الأكثر تعقيدًا في هذه الحرب. فكل طرف يسعى إلى تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض، لكنه يخوض، في الوقت نفسه، معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة السردية. فمن ينجح في إقناع المجتمع الدولي بأنه الطرف الأكثر استعدادًا للحل السياسي، والأقل مسؤولية عن استمرار القتال، يمتلك أفضلية قد تتجاوز في تأثيرها بعض المكاسب العسكرية المؤقتة.

وهذا ما يجعل تصريحات بولس تتجاوز حدود الخبر اليومي؛ فهي ليست مجرد تعليق على مبادرة تعثرت، وإنما قد تكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الرواية الدولية حول الحرب السودانية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن موازين الضغط الدبلوماسي قد تشهد تحولًا تدريجيًا، سواء عبر العقوبات، أو عبر إعادة صياغة المواقف الدولية، أو من خلال تضييق هامش المناورة أمام الأطراف التي يُنظر إليها بوصفها أقل استعدادًا للانخراط في مسار سياسي.

في نهاية المطاف، لا تنتهي الحروب فقط عندما تصمت المدافع، بل عندما تستقر الرواية التي يقتنع بها العالم لتفسيرها. وعند تلك اللحظة، يصبح السؤال الحقيقي ليس من انتصر عسكريًا، بل من نجح في كتابة الرواية الأخيرة؛ لأن من يكتبها، يمتلك غالبًا قدرة أكبر على التأثير في شكل السلام الذي يلي الحرب.

Exit mobile version