مقالات

تصريحات بولس في خريف الغضب!!

أشرف عبد العزيز

رسمت التصريحات الأخيرة لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، ملامح الاستراتيجية الأمريكية القادمة للتعامل مع الحرب السودانية، مظهرةً تحولًا حقيقيًا في وتيرة وأدوات الضغط الأمريكي، التي تجاوزت مربع إبداء القلق التقليدي إلى تحديد الطرف الرافض للهدنة بشكل مباشر، بالتزامن مع تحول لافت في الموقف الصيني الداعي إلى الحل السياسي.

ويتجلى هذا التحول في انتقال واشنطن من العقوبات السياسية العامة إلى العقوبات التشغيلية والاقتصادية، حيث يستهدف فرض العقوبات الأخير على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات الشراء والتجنيد للجيش وقوات الدعم السريع، تجفيف منابع التمويل والتسليح، في حين يمثل الإعلان عن عقوبات جديدة متعلقة باستخدام أسلحة كيميائية رفعًا لغطاء الحصانة الدولية، وخطوةً لوضع قادة الطرفين تحت طائلة القانون الدولي باعتبارهم مجرمي حرب.

وفي مسار موازٍ، برز حديث بولس عن تطوير آلية لدعم تنفيذ الهدنة، بوصفه إدراكًا أمريكيًا صريحًا لفشل التهدئات السابقة بسبب غياب الرقابة والمحاسبة، مما يفتح الباب أمام خيارات قادمة تشمل الضغط نحو تشكيل لجنة مراقبة دولية أو إقليمية، مدعومة تقنيًا بآليات رصد أمريكية، كالأقمار الصناعية والمسيّرات، لتوثيق الخروقات وتحديد الطرف البادئ بالهجوم فورًا.

ولم تغفل واشنطن ملف التدخلات الخارجية، بعد إشارة مستشارها إلى وجود أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم دعمًا عسكريًا للأطراف المتحاربة، إذ سيركز الخيار الأمريكي القادم على تكثيف الضغط الدبلوماسي على هذه الدول لوقف شحنات الأسلحة، مستغلةً في ذلك المرونة الصينية المستجدة، التي أعلن فيها مندوب بكين أن الحل ليس عسكريًا، مما يحرم الأطراف المتحاربة من غطاء دولي مهم في مجلس الأمن.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لن تسمح بسقوط السودان في حالة الدولة الفاشلة تمامًا، لما يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن الإقليمي وممرات التجارة الدولية، إلا أن إصرار رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على الشروط المسبقة، وتبريرات قوات الدعم السريع لحصار الأبيض، يؤكدان رهان الطرفين المستمر على الحسم العسكري، مما يضع المواطن السوداني في مواجهة مباشرة مع كارثة إنسانية مرعبة. فتحول خريف السودان هذا العام من موسم خير إلى مأساة حقيقية، ينتظر فيها المواطن في الأبيض ومدن أخرى المطر ليجمع مياه الشرب من فوق أسطح المنازل بسبب انهيار البنية التحتية وحصار المدن.

إن الولايات المتحدة لن تقف متفرجة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أدواتها الحالية من عقوبات وضغط دبلوماسي تستغرق وقتًا لتؤتي أُكلها على الأرض، ولذلك ستكون الخيارات القادمة أكثر حزمًا عبر استهداف شبكات الإمداد العسكري للجيش والدعم السريع على حد سواء، ومحاولة بناء جبهة دولية موحدة، مستفيدةً من الموقف الصيني الجديد، وذلك لإجبار الطرفين على العودة إلى طاولة المفاوضات، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتحول خريف الغضب إلى نقطة لا عودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع