التضليل الإعلامي في حرب السودان .. معركة الروايات لا تقل ضراوة عن القتال

مشاوير - تقرير: صديق الدخري

على رغم دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لا تزال موجات التضليل الإعلامي الواسعة تتواصل، إذ تتصدرها حسابات منظمة وصفحات تديرها أطراف النزاع تعيد تدوير مقاطع قديمة وبيانات غير قابلة للتحقق، في وقت تتراجع فيه قدرة غرف الأخبار على التثبت من التفاصيل.

ومنذ اندلاع الصراع المسلح في أبريل 2023، بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” تواجه المؤسسات الإعلامية القليلة التي لا تزال تعمل تحديات صعبة من أجل الحصول على محتوى مهني بعيداً من الروايات المضللة في وقت تتصاعد فيها الحرب النفسية كأداة تأثير لا تقل أهمية عن السلاح، ليصبح البحث عن الحقيقة مهمة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

وأسهمت تداعيات الحرب في توقف أكثر من 90 في المئة من المؤسسات الإعلامية عن العمل، تاركة الشعب السوداني في ظلام معلوماتي دامس، ومن بين 22 إذاعة محلية لم يبقَ سوى ثلاث تعمل بصورة متقطعة وتبث خطاباً متحيزاً يخدم مصالح طرف دون الآخر، فضلاً عن إغلاق الصحف والانقطاع عن القراء، في وقت تعمل فيه “4” قنوات فضائية محلية فقط، لكنها تدعم إحدى أطراف النزاع.

تحكم في المعلومات

في السياق تقول سكرتيرة الحريات في نقابة الصحافيين السودانيين إيمان فضل السيد لمنصة (مشاوير) أن “أوضاع الصحافيين في تدهور مستمر منذ اندلاع الحرب، وتأخذ المعاناة صوراً مختلفة من توقف المؤسسات إلى الاستهداف، مما أدى إلى ضعف التغطية الإعلامية للحرب نظراً إلى عدم وجود مراسلين حربيين في الصحف والإذاعات السودانية بسبب قلة الخبرة والتدريب على العمل في ظروف النزاعات المسلحة، وكذلك فشل مراسلي القنوات الفضائية العالمية في نقل الأحداث بالصورة المطلوبة، على رغم تضخم حجم الضحايا من المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين واللاجئين إلى حد المجاعة في أعلى مستوياتها الحرجة، أي الجوع المفضي إلى الموت، كما أن المنصات الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي تخضع لأهواء أفراد أو مجموعات لها مصالح متناقضة”.

وأشارت إلى أن “إعلام طرفي الصراع بات مسيطراً ومتحكماً في المعلومات ويرفض وجود أي أطراف محايدة، أو مهنية، ومصادر ذات موثوقية تنقل حقائق الحرب نظراً إلى رغبته في عكس وجهات النظر الخاصة بكل طرف لكي تصل إلى الرأي العام وفي الوقت نفسه ضمان عدم تشكيل رأي عام ضده”.

واعتبرت فضل السيد أن “أوضاع الحرب ألقت بظلالها على إمكان تنقل الصحافيين واتصالاتهم بالمصادر للحصول على المعلومات والأخبار، بخاصة مع استهداف طرفي الصراع للصحافيين وتقييد حركتهم ونشاطهم، ومع تزايد حدة الاستقطاب التي فرضها واقع الحرب تراجع التزامهم القيم المهنية وقواعد الحياد والموضوعية والنزاهة إلى حد بعيد”.

اثار الحرب

أسلحة موازية

على الصعيد نفسه أوضح الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات السوداني حسام الدين حيدر أن “المعلومات المضللة باتت سلاحاً موازياً في الحرب السودانية، إذ تستخدمها أطراف الصراع عبر منصات التواصل لتضخيم روايات غير صحيحة وتأجيج الانقسامات العرقية والجهوية، بمساندة مجموعات إلكترونية منظمة.

ونوه في حديثه لمنصة (مشاوير) بأن “أكثر أشكال التضليل انتشاراً تمثلت في إعادة استخدام صور ومقاطع فيديو من نزاعات أخرى، إلى جانب حملات تشنتها حسابات وهمية لتشويه صورة المدنيين، والتغطية على جرائم الحرب، وممارسة العنف الرقمي وخطاب الكراهية ضد الصحافيين والناشطين والفاعلين السياسيين”.

وبين حيدر أن “انهيار جزء كبير من البنية الإعلامية المستقلة داخل السودان جعل مهمة التحقق أكثر تعقيداً، وفتح المجال أمام محتوى يفتقر إلى المهنية والمصداقية”.

خطط وبدائل

على نحو متصل يرى المتخصص في تدقيق المعلومات ومكافحة التضليل الإعلامي عباس التجاني أن ” ما تشهده البلاد يمكن وصفه بـ”حرب السرديات”، موضحاً أن أطراف النزاع لم تعتمد فقط على السلاح، بل أنشأت منظومات إعلامية تنتج روايات متقابلة بصورة منظمة، بهدف التأثير في اتجاهات الرأي العام”.

ولفت في حديثه لمنصة (مشاوير) إلى أن “هذا التضليل أسهم في إطالة أمد الحرب، ورفع مستوى العنف، وتوسيع رقعة الصراع، كما كان له أثر مباشر على الفئات الأكثر هشاشة التي دفعت ثمناً باهظاً للمعلومات المضللة”.

وأشار التجاني إلى أن “غياب الإعلام المستقل خلال سنوات الحرب سمح باتساع دائرة التضليل، وكرس خطاباً يقوم على نزع الإنسانية عن الطرف الآخر، وهو ما عمق الاستقطاب وأضعف فرص الحوار، حتى أصبحت حالة انعدام الثقة بين أطراف النزاع أكثر تعقيداً، ولم تتوقف آثار التضليل عند حدود الإعلام، بل امتدت إلى حياة المدنيين. فقد دفعت شائعات متداولة بعض الأسر إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمناً، قبل أن تصلها الاشتباكات لاحقاً، كما أثرت المعلومات غير الدقيقة بشأن الهدن والممرات الإنسانية على قرارات آلاف المدنيين الباحثين عن ملاذ آمن”.

وتابع “في الوقت نفسه أسهم انتشار الأخبار غير الموثقة في زيادة القلق، وإذكاء خطاب الكراهية، وتعميق الانقسام داخل المجتمع”.

وأردف “مواجهة هذه الظاهرة تتطلب دعم الإعلام المستقل، وإجراء تحقيقات استقصائية تكشف شبكات التضليل المنظمة، إلى جانب تعزيز الوعي الإعلامي والرقمي، وتمكين الجمهور من التحقق من المعلومات قبل تداولها، فضلاً عن أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به منظمات المجتمع المدني، بخاصة في المناطق التي تفتقر إلى وسائل الإعلام والخدمات الأساسية.

وزاد “تكشف تجربة الحرب في السودان أن معركة المعلومات أصبحت جزءا لا ينفصل عن الصراع نفسه، وأن الحقيقة كثيراً ما تدفع الثمن. وبين سيل الشائعات والدعاية، تظل الصحافة المهنية، والالتزام بالتحقق، والاعتماد على المصادر الموثوقة، هي الوسيلة الأهم لحماية المجتمع من التضليل، وتمكينه من قراءة ما يجري بقدر أكبر من الوعي والموضوعية”.

Exit mobile version