بعضاً من غناء الروح يترجمه اللسان قولاً عجباً، يتدفق عرمرمًا كالسيل، ينطوي على حلي ومتاع، وإن حمل فيما حمل زبدًا رابيًا.
فحال شطح المتصوفة تترجم ألسنتهم كلامًا بلغةٍ مفارقة هي «السريانية»؛ التي يعتبرها «القوم» أمَّ اللغات وجامعتها، حين تنعتق أرواحهم لتحلق خارج طقس المادة.
وليعوي بدواخلهم (طبل أم كك يمين لا شك.. أك وأكيك سكا في الله)؟
وفي مدرسة الشيخ الشايقي المتفردة، التي جعلت من النقاط والحروف وحتى المفردات التقنية الحديثة مداخل إلى عوالم الروح، يبرز قوله:
(دخل بالباء فتح غُربا.. جاب السككي تحتو الشُربا)،
أو قوله المدهش في محاكاة الميكانيكا والكهربية:
«كم كم مجلوب.. جابو الأحزاب
بسلوك ولحام حتى قنّب
جابو البوبينا أبت تركب
شوف سلك النار تلقى مكهرب».
من هذه المشكاة اللغوية الغامضة، وضع الشيخ عبد الرحيم البرعي يده على شفرات وإشارات باطنية تتداخل فيها هندسة الأرقام بزلزال الواقع، في صيحته التي أودعها أودية كردفان، قائلاً:
«في جيبه دسّا.. رقم سبعين شغل الهندسة..
كلام سي سي».
في الحقيقة، لم يكن البرعي ينسج هنا مجرد صورة شعرية عابرة، لكن كان يقدم تفكيكًا لسرّ وميزان المقادير الذي تنضبط به التحولات الكبرى التي يشهدها السودان حاليا.
ففي لغة الإشارة، تُعدّ «الهندسة» علم الاتزان والنسب الحاكمة التي يُركَب عليها البناء فلا يختل ولا يميل، أما «الجيب» فهو الصدر والباطن والمستقر الروحي الخفي.
لكن اليوم، بينما يستوفي السودان سبعين عامًا كاملة من عمر استقلاله وسيادته (1956-2026)، وهو يكابد في الوقت ذاته ويلات حرب ضارية، يجد العقل التحليلي نفسه مدفوعًا لتجاوز القراءة السياسية السطحية نحو عمق هذه الإشارة؛ لاستكشاف كيف دسَّ السودان في جيبه رقم السبعين، توطئةً لتشغيل هذه الإعدادات الهندسية الخفية؟ وكيف تحول هذا المقدار العددي المحكم من رمزية صوفية إلى رافعة تاريخية تعيد صياغة كيانه من القاع؟
فأن يدسَّ وطن كالسودان في جيبه «رقم السبعين» يعني أنه استوعب —بعد سبعة عقود من التيه— المقدار الموزون والكامل لخلاصه الهندسي المرتقب.
فقد عاش السودان عقوده الماضية تحت وطأة «طلاسم» شعاراتية مستعارة، وهياكل سياسية قلقة عجزت عن الإجابة على الأسئلة التأسيسية الكبرى للدولة، حيث ظل المشهد مأزومًا بالترقيع والترميم المتكرر.
وهنا يتجلى الحل في عبارة البرعي: «يحقق ما طَلَسَا.. ليُزيل الغيّ».
فما تعيشه البلاد منذ منتصف أبريل 2023 ليس مجرد جولة عنف، لكن هو الزلزال التاريخي الذي سيزيل «الغيّ» السياسي، ويهدم كل هذا «الطلس» المزمن.
لقد انتهت صيغة دولة ما بعد الاستقلال المؤجلة، وبات واضحًا أن ما دسه السودان في جيبه هو «الوعي العاري بالحقيقة»؛ الحقيقة التي تقطع مع العبث والمداهنة، وتجبر الجميع على صياغة هندسة جديدة تبدأ من القواعد ولا تقف عند القشور والطلاء.
هنا تتجلى الرمزية الباهرة لإشارة البرعي حين يصف هذا المحتوى الهندسي المودع في الجيب بأنه «كلام سي سي». وفي لغة أهل السلوك والباطن في السودان، فإن (سي سي) ليست إلا نحتًا لمعنى (سرّ السرّ).
المهم فمن هذه الزاوية الإشارية، ندرك أن هندسة الخلاص الجارية في السودان لا توجد في نشرات الأخبار ولا منابر الساسة اللاهثين وراء التسويات المؤقتة، إنما هي سرّ باطني عميق ينمو بصمت وجلال داخل وعي هذا الشعب الصابر، وفي طينة أرضه المعجونة بالدموع والدماء، هذه الأرض التي تختزن الآن بذور النهوض الحقيقي بعيدًا عن صخب المؤتمرات الدولية وسباقات المجترين، وصراعات العوام.
إنه بالضبط «سر السر» الذي سيعيد صياغة الإنسان السوداني ويطهره كي يكون جديرًا بوطنه المبارك.
وهنا يرتقي نص البرعي ليطابق تمامًا ما دوّنه أحمد بن المبارك في كتاب «الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ»، الذي فكَّك جغرافية «الديوان» كمركز لتصريف الكون بقوله القاطع:
«وأما موضع الديوان: فإنه ينعقد بغار حراء بمكة المشرفة.. وينعقد بجبل (آسا) من بلاد السودان.. والغالب انعقاده بغار حراء وبجبل آسا».
انظر كيف أشار البرعي في مطلع هذه القصيدة قائلاً: «في أسّسن (أسَا) مُربي القوم»، وكأنه كان يومئ إلى هذا «المركز المحجوب» في طينة وجغرافية السودان (وتحديدًا نحو غربه في دارفور وكردفان ومكامن جبالها)، حيث يدور رحى الحرب الآن.
إن «آسا» عند الدباغ والبرعي هي البقعة التي تجري فيها اعادة هندسة من نوع آخر لهذا الواقع.
ومن هذه المشكاة أيضًا نفهم نبوءة سيدي أحمد التجاني شيخ الطريقة التجانية الأكثر اتباعًا في غرب السودان، حين قال في إشارة معرفية: «في السودان معدن ولايتي».
إذن فالسودان لا يمر اليوم بمجرد حرب عبثية تُدار خيوطها من عواصم خارجية، لكنه يمر في الواقع بمخاض إعادة ضبط وتطهير ينبع من مركز ثقله الباطني على الأرض «جبل آسا» المعمي، الذي لا يعلم مكانه من عوام الناس أحد.
فالنار التي تحرق الأطراف والمركز، على فظاعتها وكارثيتها، هي «المشرط الهندسي الخشن» الذي يخرق حجب الوهم السبعيني للدولة، قبل أن يتنزل من ديوان «آسا» وفق «كلام سي سي» ما يعيد صياغة هذا السودان على نحو مختلف.
وكما يقال في المأثور العرفاني، تفصل بين العبد والرب سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، وما السير الروحي إلا رحلة «خرق» مستمرة لهذه الحجب حتى يصفو الباطن من أكداره.
وبالمقاييس ذاتها، كانت السبعون عامًا الماضية في السودان بمثابة حجب من الوهم والتعالي الغافل الذي ران على النخب المتعاقبة؛ أوهام الامتيازات التاريخية والجهوية والجهل المتبادل بين أطراف هذه الجغرافيا.
وهنا، بدخول السودان عتبة السبعين، سيبدأ شغل الهندسة الحقيقي.
فالحرب الراهنة، على فظاعتها وكارثيتها، هي تعمل كالمشرط الذي يخرق هذه الحجب حجابًا تلو آخر.
هذا النزيف يعيد غمس الوجدان الجمعي السوداني في بحار التصفية الباطنية، فحين تُدق دناقر الوجع والنزوح في كل بيت بلا استثناء، يزول وهم التمايز الزائف، ويصبح ما دُسَّ في الجيب هو العقد الاجتماعي الحقيقي الذي يخطه البسطاء بصبرهم وتكافلهم الفطري في مراكز الإيواء وعلى حواف الطرق البعيدة.
