ثقافــة
المكان والذاكرة في (إدريس: بين ثنائية الماء والنار).. قراءة أولى في نوفيلا الكاتب محمود الدنعو
الدوحة - مشاوير : مجدي علي

تتجلى نوفيلا (إدريس: بين ثنائية الماء والنار) للكاتب والصحفي محمود الدنعو كوثيقة سردية بالغة العذوبة والعمق، تُبحر في تضاريس الذات الإنسانية وتتشابك مع الوجدان والتاريخ الجغرافي المعقّد للمناطق الحدودية، بوصفها نصًا سرديًا يتجاوز حدود الحكاية إلى فضاء التأمل في العلاقة المعقّدة بين الإنسان ومكانه، وبين الذاكرة وما تخلّفه من آثار لا تهدأ. فالعمل، الصادر في قالب الرواية القصيرة (النوفيلا) عن دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة، بغلاف للفنان معتز مختار علي، يقدّم مقاربة فنية مكثّفة لموضوعات الهوية والمنفى والعودة، عبر بناء رمزي تتقاطع فيه الجغرافيا مع النفس الإنسانية في مستوى واحد من التوتر الدلالي، مستثمرًا اقتصاد النص المشحون بالدلالات الرمزية.
لا تبدو الجغرافيا في هذه النوفيلا مجرّد إطار تتحرّك داخله الشخصيات، كما لا تُختزل الذاكرة في كونها استرجاعًا لماضٍ منقضٍ؛ بل يتأسّس النص على فكرة أعمق مفادها أن المكان قوة فاعلة تعيد تشكيل ساكنيه، وأن الذاكرة كيان حي يعيد إنتاج نفسه وفق شروط الحاضر. ومن هنا، فإن ما يبدو في ظاهره رحلة عودة إلى (أم دافوق)، يتحوّل في العمق إلى مساءلة لاستحالة العودة ذاتها، وإلى اختبار قاسٍ لفكرة أن الزمن لا يترك الأمكنة والأشخاص في حالة ثبات، بل في حالة تغيّر دائم يبدّد يقين الاستعادة.
وتتقدّم ثنائية “الماء والنار” بوصفها المحور الرمزي الذي ينتظم عليه البناء السردي؛ فالنار ليست مجرد علامة على الخراب، كما أن الماء ليس وعدًا بالخلاص، بل يتحوّلان إلى قطبين وجوديين: نارٌ هي ذاكرة مشتعلة لا تنطفئ، وماءٌ هو خلاص مؤجّل لا يكتمل. وبين هذين القطبين تتحرّك شخصية إدريس في مسار دائري، كلما اقترب من الطمأنينة أعادته الذاكرة إلى نقطة البدء، وكأن الماضي قوة قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل الحاضر.
أما اختيار أم دافوق بوصفها فضاءً سرديًا، فهو اختيار يحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا المباشرة؛ فالمدينة الحدودية بين السودان وإفريقيا الوسطى تتحوّل إلى استعارة كبرى لحالة الإنسان المعاصر: كائن يعيش على التخوم، بين انتماءات متداخلة، ولا يستقر في هوية نهائية. وهنا تغدو الحدود حالة وجودية لا خطًا سياسيًا فقط، ويصبح العبور اليومي بين الأمكنة شكلًا من أشكال التمزّق الداخلي المستمر.
وفي هذا الإطار، يشتغل النص على الجغرافيا بوصفها منتجًا للمعنى لا مجرد مسرح له. فالمكان يعيد تشكيل الشخصيات، ويعيد ترتيب الذاكرة، ويحدّد إيقاع الزمن السردي. ولذلك فإن التنقّل بين دارفور وإفريقيا الوسطى، وبين أم دافوق ونيالا، لا يُقرأ كحركة مكانية فحسب، بل كحركة داخل طبقات التاريخ السوداني نفسه، بما يحمله من تحولات اجتماعية وسياسية ممتدة منذ منتصف القرن الماضي حتى تسعينياته.

ويكتسب هذا البعد عمقًا إضافيًا حين يُقرأ في سياق تجربة الكاتب محمود الدنعو، الذي ينتمي إلى مسار سردي يقوم على ارتحال المكان ذاته في كتاباته. فهو صحفي وإعلامي سوداني متمرّس، جمع بين دقّة الملاحظة وشاعرية التخييل، ما انعكس على قدرته في تحويل الأمكنة إلى كائنات دلالية حيّة. وقد انفتح في أعماله السابقة مثل (سابنا: حكاية من بلاد الهيمالايا) و(ضحى كاتماندو) على فضاءات آسيوية بعيدة، حيث كان “الآخر الجغرافي” وسيلة لاختبار الذات وإعادة تعريفها. غير أن (إدريس) يمثّل تحوّلًا نحو الداخل، حيث تعود الجغرافيا السودانية والإفريقية لا بوصفها حنينًا، بل بوصفها مشروع مساءلة للهامش وإعادة اكتشافه خارج اختزال الحرب أو الكارثة.



