آخرُ نقاط الانحدار في تاريخ أي أمة؛ أن يصبح القضاء مُسيَّسًا أو تحت نفوذ السلطة؛ عندها تصبح كل إمكانيات الإصلاح بلا معنى.
ينتشر الفساد في مختلف دول العالم، وتكثر المظالم ومحاولات استغلال النفوذ، لكن إذا ظل القضاء مستقلاً، وصار للعدل معنى وقيمة، يمكن للناس أن يصلوا إليه عبر طريق التقاضي العادي، وبلا إمكانيات مهولة. عندها يبقى هناك أمل، ويترسخ لدى الناس أن الإصلاح ممكن ومتوقع الحدوث.
في تاريخنا الحديث تعرضت منظومة العدالة لعراقيل، وتعرض القضاء لضغوط، وحدثت انتكاسات هنا وهناك، لكن ظل إيمان الناس بالقضاء المستقل وبإمكانية تحقيق العدالة قائمًا وراسخًا، حتى أتت تجربة الإنقاذ فهدمت كل شيء.
شاهدنا خلال تلك السنوات الكئيبة تسييس القضاء وفساده، وتطبيق نظرية “مزرعة الحيوان” التي تقول “إن الناس متساوون، لكن بعضهم أكثر مساواة”.
شاهدنا كيف يخرج المجرمون والفاسدون طلقاء رغم ثبوت فسادهم، وشاهدنا مسرحيات التحلل، بل شاهدنا عيانًا بيانًا قضاةً يحملون رتبًا في جهاز الأمن.
كتبنا من قبل، وفي هذه المساحة، عن القاضي الذي أصدر حكمًا على من بقي في منطقته يعمل في خدمة الناس بعد دخول قوات الدعم السريع، ونص في حكمه على أن بقاء الشخص في منطقة دخلها الدعم السريع يدخله في خانة الإدانة، “حيث إن شرفاء المواطنين قد خرجوا، وبقي المتعاونون فقط”. وهو حكم يُعد فضيحة بكل المقاييس.
والآن تكررت المسرحية في محاكمة الدكتور أحمد شفا، حيث أصدرت المحكمة حكمًا بسجنه عامين لأنه قال في جلسة اجتماعية إنه لا جدوى من الحرب، وإنها تضيع أرواح الشباب.
ومن بين الجهات الشاكية شخص اتُّهم بتهريب وبيع السلاح لقوات الدعم السريع، فكانت عقوبته أن أُرسل إلى إحدى الخلاوي ليحفظ القرآن.
الناس طبقات وأنواع، والقانون يُفصَّل حسب موقع الشخص، ولونه السياسي، وربما حتى قرابته لمسؤول ما، أو حتى قبيلته. وربما تسمع دفاعًا عن شخص ارتكب جريمة بأنه “ابن ناس”، ولا يمكن أن يرتكب هذه الجريمة، أو أنه زاهد عابد وحمامة مسجد، وبالتالي قد تُعد الجريمة زلة شيطان يمكن محوها بالاستغفار.
القضاء العادل والمستقل هو أهم، وآخر، أعمدة الدولة الحديثة؛ فإن ضعف أو غاب فعلى الدولة السلام.