إن ما شهدته مدن مثل الجنينة والفاشر، وما قبلهما من مدن الهامش، وما تشهده مدينة الأبيض اليوم، يؤكد أن استمرار تمترس الجيوش داخل المناطق السكنية للمدنيين تظل وصفة مضمونة لاستنزاف واستخدام المدنيين كدروع بشرية، وتدمير مستقبل الأجيال القادمة، وتحويل المدن إلى ساحات قتال مفتوحة. هذا الواقع المرير يجعل الضغط من أجل أن تكون المظاهر المدنية هي المسيطرة على المدن ومناطق تجمعات المدنيين مطلباً لا يحتمل التأجيل، بل يجعل المطالبة بخروج المظاهر العسكرية من المدن من مجرد شعار إلى ضرورة إستراتيجية وإنسانية لحماية ما تبقى من نسيج اجتماعي وبنى تحتية، ولإنقاذ حاضر السودانيين ومستقبلهم من التطبيع مع مشاهد العنف.
من الأمثلة التي لا تزال تؤرقني وتحوم حول ذاكرتي، وبالطبع أذهان الكثير في جنوب السودان، هو ما شهدته مدينة جوبا كواحدة من المدن التي طالها ما طالها من وجود الجيوش والمليشيات بين المدنيين. فقد شهدت تلك المدينة خلال تسعينيات القرن الماضي والنصف الأول للعقد الأول من الألفية الثانية أكثر الفصول وحشية ودموية في تاريخها، تمثل في ارتكاب انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان، تورطت فيها عناصر من المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها هيئة الاستخبارات.
وقد اتخذت هذه الممارسات أشكالاً عديدة من القمع والوحشية، تجسدت في تأسيس ما عُرف بـبيوت الأشباح وما عرف أيضاً بـ”البيت الأبيض” في جوبا، وقد اشتهرت في ذلك الوقت مقولة “من دخله ميت ومن خرج منه مولود”، تلك المعتقلات السرية التي مارست الاعتقال خارج نطاق القانون وتحولت إلى مسالخ آدمية للتعذيب الممنهج، والسحل، والتصفيات الجسدية، تحت ذرائع واهية واتهامات للضحايا بالتعاون مع المتمردين/الجيش الشعبي، مما جعل المدينة تعيش تحت وطأة مناخ من الرعب والترهيب الذي طال مختلف شرائح مجتمع مدينة جوبا آنذاك.
بعد سنوات من الرعب التي عصفت بمدينة جوبا، وخلال حواراتنا مع سكانها في أعقاب توقيع اتفاقية السلام الشامل استمعنا إلى شهادات حية، لا تزال تفاصيلها محفورة في ذاكرة الناجين من المدنيين وتتحرك في تداعياتهم وذكرياتهم، فصارت أشبه بالمحفورة في جدران منازلهم. تلك الشهادات وبكل ما تحمله من ألم وصدمات، قادتنا إلى أسئلة وجودية تتعلق بجوهر سؤال حق المواطنة ودور الدولة في حمايته، وأين تبدأ سيادة المواطن وأين تنتهي سلطة المؤسسات التي تمتلك أدوات العنف؟ ومن هو الذي بادر بالعدوان على حقوق الآخرين، هل هو الجيش الذي زرع ثكناته في وسط المدن وبين المدنيين؟ أم أن المدنيين اتخذوا سكنهم في مساكن تتوزع حول ثكنات تلك القوات المسلحة ليتعاونوا مع المتمردين؟ وإذا كان وجود المدنيين في جوبا آنذاك يُمثل تهديداً أمنياً ويعني تعاونهم مع المتمردين، يصبح السؤال لماذا كانت استخبارات الجيش تمنع خروجهم أو نزوحهم خارج المدينة وحولتهم إلى رهائن ودروعاً بشرية في محيطها؟.
قبل اندلاع الحرب الحالية في الخرطوم، كانت فكرة إخلاء العاصمة والمدن الكبرى من مظاهر الوجود العسكري – باستثناء الشرطة – تبدو ضرباً من ضروب الخيال، أو شكلاً من أشكال المطالب غير الواقعية، أو ظاهرة من ظواهر “البرطعة” خارج السائد في حلبات السياسة. ويعود ذلك إلى أسباب يمكن وصفها -على مضض – بـالموضوعية بالنسبة لمن هم يسكنون داخل المركز، ويمكن إجمال أبرزها في أن الفاعلين السياسيين والاجتماعيين من وفي المركز، ممن يمتلكون أدوات الضغط والتأثير، لم يتم اختبارهم، أو مروا شخصياً أو من يهتمون لأمرهم بويلات تموضع، أو انتشار القوات المسلحة ومليشياتها في قلب أحيائهم السكنية أو في طرقات وأزقة حياتهم اليومية.
فعلى مدى عقود، تعايش سكان الخرطوم ومدن المركز الأخرى مع ثكنات ومعسكرات الجيش في هدوء نسبي، باستثناء ما شهدته أم درمان بعد انقلاب مايو (مذبحة ود نوباوي) في العام 1970م، وأيضاً ما سمي بأحداث المرتزقة “أيام حكم المؤسسة العسكرية” فترة مايو في العام 1976م، وأحداث عملية الذراع الطويلة للعدل والمساواة في العام 2008م، التي لم تتعدَّ مدة العملية العسكرية فيها حاجز اليوم الواحد، حيث كان الهدوء النسبي هو السائد في معظم مدن المركز، دون أن تشهد انزلاقات أمنية كبرى أو تفلتات ميدانية تهدد سلامتهم بشكل مباشر، مما جعل الخطر يبدو نظرياً بعيداً، أو مجرد سيناريو خيالي وغير وارد.
وظل ذلك الهدوء هو السمة الغالبة، ووجود المظاهر العسكرية في المدن يبدو كشيء طبيعي، وذلك -طبعاً- في حال استثنينا الانقلابات العسكرية على الحكومات القائمة مدنية أو عسكرية، ولم نحسبها ضمن الفلتان الأمني، أو في حال اعتبرناها جزءاً من قواعد اللعبة السياسية، التي رسختها عقود من هيمنة العسكر والمؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة.
على النقيض من ذلك، عانت مدن وأطراف السودان الأخرى – في دارفور، وكردفان، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، ومدن الجنوب سابقاً، ونسبياً شرق البلاد – من علاقة إشكالية ومأساوية مع الوجود العسكري النظامي وغير النظامي “المليشيات”. ففي زمن الحرب، كان المدنيون هناك يمثلون أول الضحايا بين طرفي النزاع حيث يتم استخدامهم كغطاء، أو يصبحون الهدف الأول كوسيلة لإضعاف الخصم. وحتى في زمن السلام النسبي، ظلوا ضحايا للتفلتات الأمنية من أفراد تلك القوات، حيث كان غياب الانضباط الأمني يشكل السمة الأساسية، وكانت انتهاكات حقوق الإنسان الناتجة عن انتشار وتموضع أو تمترس قوات مسلحة لا ترتبط ببيئة تلك المجتمعات ولا تخضع للمساءلة من أي جهة هي الثابت، وما عدا ذلك هو المتغير.
هذه التجربة المريرة جعلت المطالبة بإخلاء المدن في تلك المناطق ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية. غير أن الأصوات التي ارتفع صوتها ونادت بذلك تم قمعها أو غمرها بقعقعة السلاح ودوي الانفجارات، فضاعت تحت أقدام أصغر قادة تلك القوات، وأهملها المركز الذي لم يكن يصغي لأي صوت خارج من أطراف الوطن، ولا يعبأ لهموم الهامش إلا بالعنف، وهكذا ترسخت ازدواجية المعاير، أمن للمركز، وخوف وإرهاب للهامش، وباستمرار كانت حياة مواطني المركز أغلى وأقيم من حياة سكان الأطراف.
إلا أن الحرب التي انطلقت من داخل الخرطوم وتمدّدت إلى أجزاء واسعة من المركز، الحرب التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من المدنيين، وعملت آلياتها على تدمير أحياء بأكملها، طالت البنية التحتية التي يصعب حصر تكلفتها في أرقام أطول من أن تحتويها صفحات الكتب، حرب جعلت ما كان مطلباً ثانوياً يداعب أحلام سكان مدن الهامش إلى قضية مركزية تفرض نفسها بقوة على الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو السياسية.
فالمشهد المأساوي للعاصمة وهي ساحة قتال، وشوارعها تكتسي بشتى أنواع الملابس العسكرية وطوابير من الآليات القتالية الخفيفة والثقيلة، جعل الجميع يدركون أن وجود أي شكل من أشكال الجيوش أو الحضور العسكري داخل المدن ليس ضماناً للأمن، بل هو قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة أو احتكاك بين جنديين، إذ إن الصدمة التي أحدثتها الحرب في الخرطوم لم تكن مجرد صدمة ودمار فقط، بل كانت صدمة وعي جماعي كسرت الأسطورة التي روَّجتها عقود من السلام الهش، وهي أن وجود الجيش يمثل حماية وأمناً لا وصفة لحرب، ويصبح فيها المواطن أو المدنيون دروعاً بشرية. وتحولت العاصمة، التي كانت رمزاً للاستقرار النسبي، بين ليلة وضحاها، إلى نموذج مصغر لما عاشته مدن الهامش لعقود، وكأن الحرب التي انفجرت ذات صباح داخل مركز المركز هي معادلة عادلة لتاريخ طويل من العنف الممنهج الذي وسم الهامش، فضربت كل السودانيين بذات الأداة -أدوات العنف-، وكشفت عن ألّا فرق بين إنسان المركز وإنسان الهامش عندما تنفجر الأوضاع.
ومن هنا، وفي سودان ما بعد الحرب يجب الإصرار والتشديد على ضرورة إعادة تصور العلاقة بين المؤسسة العسكرية الجديدة والمدن، وفق أسس مغايرة تماماً لإرث المؤسسة القديمة، تصور يتم فيه الاتفاق على والتنفيذ الفوري للآتي:
• إخلاء فوري للمدن من الثكنات والمقرات العسكرية وإعادة تموضعها أو انتشارها بعيداً عن مواقعها الحالية في المناطق الحضرية، على أن يتم تخصيص مواقع بديلة تتوزع فيها كل وحدات القوات المسلحة على أطراف الوطن، أو في مدن يتم إنشاؤها خصيصاً للوحدات العسكرية، بعيداً عن المدن أو أماكن تجمعات المدنيين، على أن يكون ذلك ضمن خطة انتقالية شفافة تكون فيها حقوق الإنسان السوداني وحياته أولوية لمؤسسات الدولة، بحيث تكون المؤسسة العسكرية في تساوٍ مع أي من مؤسسات الدولة الأخرى، لا أن تظل دولة داخل دولة.
• جعل الجيش ككل الجيوش حول العالم؛ مؤسسة دفاعية عن الحدود، لا جهة ضبط أو تسلط داخل المدن ومراكز المدنيين، مع تعزيز قدرات الشرطة المدنية وربطها بمعايير وأدوار الشرطة المتعارف عليها إقليمياً وعالمياً، وجعلها المؤسسة الوحيدة المكلفة بحفظ النظام داخل المدن، مع وضع آليات رقابية صارمة لمنع أي تدخل عسكري في الشأن المدني.
• أن تنأى المؤسسة العسكرية بنفسها عن الصراعات السياسية، وتخضع لرقابة مؤسسات مدنية وبرلمانية حقيقية، بما يعزز ثقة المواطن فيها كأي مؤسسة من مؤسسات الدولة الأخرى، وليست كوصي على الحكم، أو جهة تحكيم على النزاعات السياسية. وبالطبع هذا يتطلب مراجعة شاملة لقوانين الخدمة العسكرية وعلاقة المؤسسة العسكرية والقوات النظامية بنظام الحكم والسلطة التنفيذية، بما يضمن استقلالية المؤسسة عن الصراعات أو الأمزجة السياسية للقائمين على إدارة البلاد وتفاصيل شؤون الحكم. ويجب ألا تكون هذه الخطوات والجدية في تنفيذها مجرد إجراءات أمنية أو إدارية أو للاستهلاك السياسي، بل برنامج يفتح المسار لمشروع مدني متكامل يقود إلى تحول جذري في فهم السودانيين/السودانيات لعلاقاتهم مع مؤسسات الدولة وإحساسهم تجاه السلطة والأجهزة الأمنية وأدوات العنف.
• بناء علاقة جديدة بين السودانيين والجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، قوامها الثقة المتبادلة، لا الخوف أو الحذر منها، أو من التعاون معها، وهو ما يعمق الإحساس لدى المواطن بامتلاكه لهذه المؤسسات الأمنية، ويفتح الباب لتعاون حقيقي في كل المشاريع الوطنية بعيداً عن منطق العنف والقوة، لتجاوز ثقافة الانقلابات والصراعات، بالذهاب نحو دولة مدنية حديثة تسمو فيها قيم السلام، ويتم فيها إعلاء حقوق الإنسان كمرجعية أساسية لكل سياسات الدولة.
• كذلك كسر حلقة العنف المؤسسي والممنهج، حيث إن استمرار الوجود العسكري في المدن يُكرس ثقافة العنف كحل أول وأخير، ويُقلل أو يُضعف من فرص تطور الحياة السياسية المدنية التي تقوم على الحوار والتداول السلمي للسلطة.
فسودان ما بعد الحرب لا يمكن أن يقوم على ثكنات في قلب المدن، ولا على جيوش تتدخل في السياسة، بل على دولة حديثة دولة؛ مؤسسات يقودها المدنيون، يحمي حدودها جيش مهني، ويدير ويتدبر شؤونها مواطنون يتساوون في الحقوق والواجبات، ويغمر مدنها السلام، وتتعامل مع الحرب كتاريخ يجب التعلم منه. ويبقى الرهان الآن على ما تعلمه السودانيون، الذين اكتووا بنار الحرب، أن يخرجوا منها بعزم على بناء وطن مختلف، وطن تكون فيه المدن للمدنيين، والثكنات العسكرية للحدود وخارج المدن التجمعات المدنية، والسلطة للقانون، لا للقوة.
وهناك أمثلة عديدة في التاريخ الحديث لشعوب خرجت من حروب ونزاعات شرسة بحب للحياة وإرادة قوية لإعادة البناء، مثل اليابان التي حولت هزيمتها العسكرية في زمن وجيز إلى نهضة صناعية، وكذلك ألمانيا التي يمكن أن تعد النموذج الأمثل لنزع السلاح وإعادة الإعمار بعد الحرب؛ إذ قامت بتحويل العديد من الثكنات والتحصينات العسكرية إلى مناطق ذات استخدام مدني، وتحويل المباني العسكرية إلى جامعات ومناطق سكنية وساحات عامة.. وكذلك في البوسنة مدينة مثل سراييفو التي شهدت تدخلاً دولياً مكثفاً لضمان انسحاب القوات العسكرية من داخل المناطق الحضرية، وتطبيق برامج دقيقة لجمع الأسلحة من المدنيين، وإعادة بناء المؤسسات المدنية لضمان عدم عودة المظاهر المسلحة.
أما في أفريقيا فكانت سيراليون النموذج الأقرب لواقعنا قارياً، إذ تمت إعادة بناء جيش جديد تماماً لسيراليون ما بعد الحرب الأهلية عبر برنامج أممي لإصلاح قطاع الأمن، والذي قادته بشكل أساسي الحكومة البريطانية بدعم وإشراف من الأمم المتحدة. ارتكزت خطة الإصلاح الشاملة على تحويل القوات المسلحة إلى مؤسسة محترفة وخاضعة للرقابة الديمقراطية.
التجارب الدولية ــ من ألمانيا واليابان إلى البوسنة وسيراليون ــ تثبت أن النهضة تبدأ حين يرجع السلاح إلى مهمته الطبيعية في حماية الوطن من الخارج، لا في ترويع المدنيين وترويضهم من أجل بسط سيطرة فئة بعينها على السلطة والثروة.