عبد الرحيم أرقي .. آخر ما قاله الطمبور

الدوحة - مشاوير: مجدي علي

في رزنامة الفقد التي تتطاول مع أيام الحرب، حيث تتزاحم أخبار الرحيل والنزوح والانكسارات، لم يأتِ رحيل الفنان عبد الرحيم أرقي، قبل أيام بمستشفى الدبّة، بعد صراع مع المرض، حدثًا عابرًا، بل كان ذلك النوع من الغياب الذي لا يكتفي بانسحاب صوتٍ من الهواء، وإنما بانطفاء نغمةٍ في منتصف جملة لم تكتمل.. كأنّ الطمبور نفسه، لا فنانًا بعينه، هو من رحل فجأة، وهو في ذروة الحنين.

في حضوره، لم يكن أرقي “يؤدّي” الغناء أداءً بقدر ما كان يسمح له بأن يحدث. كان يترك للصوت أن يمشي على سجيته الأولى، بلا تزيين مفرط، بلا قلق النجم، وبلا تلك المسافة التي تفصل المؤدّي عن جمهوره. لذلك بدا كأنه لا يقف على خشبة، بل يقف داخل الحياة نفسها، حيث لا فرق بين الأغنية والتنفس، وبين اللحن والنبض.

لم يكن أرقي بسيط الحضور فحسب، بل بسيطًا وعميقًا في آنٍ معًا؛ بساطة لا تعني الخفّة، بل صفاء التجربة، وعمق لا يحتاج إلى ضجيج كي يُدرك. كان يقيم في المنطقة التي يلتقي فيها الصدق بالسكينة، حيث يتحول الفن إلى حالة وجود، لا إلى مهنة أداء.

وُلد عبد الرحيم أرقي في شمال السودان، في بيئة مشبّعة بالإيقاع الشفاهي والغناء المرتبط بالطمبور والدليب، حيث تتشكّل الذائقة من تفاصيل الحياة اليومية، لا من فضاءات القاعات المغلقة. هناك، لا يبدو النيل مجرد نهر، بل ذاكرة تتحرّك في الوعي الجمعي، ولا يبدو الصوت فعلًا فنيًا منفصلًا، بل امتدادًا طبيعيًا للمعاش اليومي.

في هذا السياق، لم تتشكّل بداياته بوصفها اختيارًا فنيًا واعيًا فحسب، بل بوصفها انخراطًا مبكرًا في طبقة صوتية جماعية تتجاوز الفرد. فالجغرافيا في الشمال ليست خلفيةً للحياة، بل بنيةٌ منتجة للإيقاع؛ تُهذّب الحسّ على التأمّل، وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بصوته، حتى يغدو المكان جزءًا من هندسة السمع، لا مجرد مشهد بصري.

في هذا المناخ، لم يولد عبد الرحيم من “مشروع فنان”، بل من تراكم يومي لأصوات صغيرة: مجالس، وحكايات، وجلسات قهوة، وغناء يتسلّل إلى الحياة حتى يصير جزءًا منها. ومن هذا التراكم خرج أرقي، لا كاستثناء، بل كامتداد طبيعي لصوت جمعي أكبر منه.

ولأن الطمبور في شمال السودان فنٌّ شفاهيٌّ متجذّر في الذاكرة الجمعية، تنتقل خبرته عبر الأداء الحيّ أكثر من التدوين، فقد تشكّلت تجربة عبد الرحيم أرقي داخل هذا السياق؛ فلم يكن مغامرًا خارج القالب، بل وفيًا لروح الطمبور، فلم يسعَ إلى جرّه نحو حداثةٍ قسرية، ولا إلى عزله في إطارٍ نخبوي، بل حافظ على قربه من الناس، بوصفه فنًا يعيش في وجدانهم ويُعاد إنتاجه في تفاصيل حياتهم اليومية.

ارتبط اسم عبد الرحيم أرقي بعدد من الأغنيات التي شكّلت ملامح حضوره في فضاء الطمبور، وهي أعمال نالت شهرتها، وتجاوزت كونها نصوصًا غنائية، لتتحوّل إلى حالات وجدانية راسخة في الذاكرة الشعبية، ظلّت تُتداول في سياقات الغناء والجلسات الخاصة والتسجيلات الإذاعية، بما منحها حياةً أوسع من حدود التوثيق الرسمي.

غير أن إرث أرقي لا يمكن اختزاله في أرشيفٍ مكتمل أو سجلٍّ موثق؛ إذ ظل إنتاجه جزءًا من الثقافة الشفاهية لفن الطمبور، يتنقل عبر الأداء الحيّ، والتسجيلات المتفرّقة، والتداول الشعبي، أكثر مما يستقر في شكل مشروع توثيقي منظّم. ولذلك فإن أي محاولة لحصر أعماله تظل تقريبية بطبيعتها، لأنها تتعامل مع حضور حيّ، لا مع سجل ثابت.

وفي هذا السياق، تتأكّد الحاجة إلى جهد توثيقي جاد من المهتمين ومؤسسات الثقافة، لحفظ هذا الإرث الغنائي وصونه من التلاشي، باعتباره جزءًا من الذاكرة الصوتية لفن الطمبور في السودان، لا مجرد أسماء أغنيات في التداول الشفاهي.

الفنان الراحل

في أعماله، لا تبدو الأغنية نصًّا مكتوبًا بقدر ما تبدو حياةً مختصرة في صوت؛ لا تنشغل بالمجاز بقدر ما تنحاز إلى الصدق المباشر، إلى قولٍ يُفهم قبل أن يُشرح، ويُستقبل بالإحساس قبل اللغة. ولهذا علقت في الذاكرة، لا بوصفها إنتاجًا فنيًا، بل بوصفها امتدادًا لتجربة الناس اليومية، كأنها خرجت من أفواههم قبل أن تخرج من حنجرة صاحبها.

لم تكن نصوصًا تُبنى، بل حالات تُعاش: (حبي لك كان زادي) اعترافٌ يومي بالبقاء، وصيغة وجود تُقاوم الفناء، و(عافي منك وراضٍ عنك يا جناي) تسليمٌ هادئ يمر عبر الحب، لا الانكسار. وقد تجاوزت هذه الأغنيات الجغرافيا واللهجات، لتصبح تجربة شعورية مشتركة بين أهل السودان، كأنها حين بلغت ذروة صدقها تخلّت عن حدودها الأولى، وانفتحت على الإحساس الخالص؛ هناك فقط يصير النغم لغة، ويصير المعنى أثرًا يتقاسمه الجميع دون اسم.

ما يُروى عن عبد الرحيم أرقي لا يتعلّق فقط بما غنّاه، بل بكيفية حضوره. فقد عاش بلا مسافة تقريبًا بينه وبين الناس. في الأسواق، وفي جلسات القهوة، وفي الأزقة التي لا تحتاج إلى أسماء كي تُعرّف نفسها، كان حاضرًا كما هو، بلا طبقة فاصلة بين “الفنان” و”الإنسان”.

لم تكن الشهرة عنده قناعًا، بل ظلّت نافذةً شفافة لم تحجب جوهره.

كان يمكن له أن يدخل لعبة الإعلام والظهور، وأن يصنع لنفسه حضورًا أكثر ضجيجًا، لكنه اختار شكلًا آخر من الوجود: حضور بلا إعلان، بلا ادعاء، بلا رغبة في شرح الذات. وفي زمن صار فيه الصوت مشروعًا للعرض، اختار أن يبقيه وسيلة عبور، لا وسيلة تفوّق.

رحيل أرقي لا يفتح سؤال السيرة فقط، بل يفتح سؤال الأثر: ما الذي يحدث للطمبور حين يغادره أصحابه الطبيعيون، أولئك الذين لم يكتبوا نظريات عنه، بل عاشوه؟

فالطمبور، في جوهره، ليس فنًا محفوظًا في الأرشيف، بل ذاكرة شفاهية. وحين تغيب الأصوات التي تحمل هذه الذاكرة، لا يُفقد اللحن فقط، بل تُفقد طريقة كاملة في فهم العالم. وهنا لا يظهر الغياب كفقد فرد، بل كعلامة على هشاشة التوثيق، وعلى أن بعض الأصوات تعيش أكثر مما تُدوَّن.

لم يمت عبد الرحيم أرقي بمعنى الغياب الكامل، بل انسحب إلى طبقة أعمق من الحضور، حيث لا تُسمع الأغنية كصوت، بل كأثر يعود كلما استدعته الذاكرة.

هناك من يغادرون المنصّة، وهناك من يغادرون الزمن نفسه، لكنهم يتركون طبقة لا تمحوها الأيام: طبقة تشبه الطمبور حين يُترك وحيدًا في غرفة ساكنة، فيبدأ هو بالعزف على ما تبقى من الحنين.

وإذا كان لبعض الأصوات أن تُقاس بعمق أثرها، لا بكثافة حضورها، فإن عبد الرحيم أرقي كان واحدًا من أولئك الذين لم يغادروا الحياة تمامًا.. بل غادروا ضجيجها فقط.

Exit mobile version