قرار خطر!!

أشرف عبد العزيز

تحمل الخطوة الأخيرة التي اتخذتها وزارة التجارة الأمريكية بإدراج السودان ضمن المجموعة السيئة السمعة (D3) في لوائح ضوابط التصدير، أبعادًا تفوق في خطورتها مجرد التعديلات الإدارية الروتينية، إذ تشكل ضربة قاصمة للجهود الدبلوماسية والاقتصادية التي بُذلت على مدار سنوات لإعادة دمج السودان في المنظومة الدولية. هذه العقوبات، التي تأتي كترجمة عملية لاتهامات واشنطن المباشرة للحكومة والجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية أو بيولوجية، تنقل الأزمة السودانية من مربع الضغوط السياسية القابلة للتفاوض إلى مربع الحصار الدولي الصارم والمنظم قانونيًا، مما يضع الدولة السودانية أمام مرحلة جديدة من العزلة الشاملة.

تكمن الخطورة الفنية الفورية لهذا القرار في الإلغاء الكامل والنهائي للامتيازات والتسهيلات التي حصل عليها السودان عقب رفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020م. فحينما أُعيد السودان آنذاك إلى المجموعة (B)، فتحت له واشنطن نافذة من المرونة في منح تراخيص التصدير والاستفادة من السلع والتقنيات الأمريكية. أما اليوم، فإن الهبوط بالسودان إلى المجموعة (D3)، المخصصة حصريًا للدول المقلقة في مجالات التسلح غير التقليدي، يعني تحول السياسة الأمريكية تجاه أي طلبات تصدير أو نقل تكنولوجيا إلى السودان لتصبح محكومة بمبدأ «افتراض الرفض». وبذلك يصبح الرفض هو الأصل القانوني والدبلوماسي، بينما تمثل الموافقة استثناءً شبه مستحيل يتطلب مبررات معقدة وخارقة للعادة.

تلقي هذه القيود بظلال قاتمة على البنية التحتية والاقتصادية للبلاد، حيث ستواجه القطاعات الحيوية شللًا تدريجيًا نتيجة الحظر شبه المطلق على المعدات الصناعية المتقدمة، وأجهزة الاتصالات المتطورة، وقطع غيار الطائرات؛ وهي قطاعات تعاني بالفعل من وطأة الحرب المستمرة. إن حرمان السودان من هذه المدخلات التكنولوجية يعزل قطاعه التجاري والإنتاجي عن مواكبة العالم، ويجعل من عملية الصيانة أو التحديث للمرافق الأساسية معركة قانونية واقتصادية خاسرة، مما يضاعف من معاناة الاقتصاد المنهك أساسًا ويحرمه من أية فرصة للإنعاش أو الاستقرار التجاري.

على الصعيد الدبلوماسي والاستراتيجي، يعكس هذا الإجراء تحولًا جذريًا في العقيدة السياسية لبيت الحكم في واشنطن تجاه الملف السوداني، إذ تخلت الإدارة الأمريكية تمامًا عن سياسة «الجزرة» أو المرونة، واعتمدت أسلوب الضغط الخشن والتضييق الممنهج. ولا يمكن فصل هذا القرار عن سياقه التصعيدي الأشمل الذي يضم عقوبات مباشرة طالت رأس الهرم المالي في السودان، متمثلًا في وزير المالية وحرمانه من المحافل المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، مما يضيق الخناق على أية نافذة تمويل دولي قد تسند ميزانية الدولة في ظروف الحرب.

تتجاوز خطورة الاتهام باستخدام أسلحة كيميائية الجانب التجاري لتلامس شرعية مفاصل الدولة والجيش السوداني في المجتمع الدولي، حيث إن مثل هذه التهم تضع القيادة السودانية تحت طائلة القانون الدولي والأعراف الصارمة، مما يمهد الطريق لشرعنة تحركات دولية أكثر جرأة وخطورة داخل أروقة مجلس الأمن، كالمشاريع المطروحة لفرض قوات حفظ سلام دولية وتجاوز السيادة الوطنية بحجة حماية الاستقرار الإقليمي والدولي. إن هذا القرار يغلق الأبواب أمام أي تسهيلات تجارية أو تمويلية مستقبلية، ويدفع بالسودان إلى نفق مظلم من العزلة الاقتصادية والسياسية التي ستستمر تبعاتها لفترات طويلة، حتى وإن توقفت المدافع في الميدان.

إن نقل السودان إلى هذه المجموعة يمثل نقطة تحول مفصلية تتخطى في أثرها طبيعة العقوبات التقليدية، لتدشن مرحلة من الخنق الاقتصادي والعزل الدولي طويل الأمد.

إن خطورة هذه الخطوة لا تكمن فقط في حرمان البلاد من التكنولوجيا الحيوية أو تعميق شلل قطاعاتها الإنتاجية والخدمية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التعافي، بل في طبيعة الاتهام الدولي الذي استندت إليه، والذي يطوق شرعية الدولة ومؤسساتها السيادية بالتزامات وقوانين دولية بالغة الصرامة. وبناءً على هذه المعطيات، فإن السودان لا يواجه اليوم أزمة دبلوماسية عابرة يمكن تفكيكها بالتفاوض التقليدي، بل يواجه جدارًا قانونيًا وهيكليًا صلبًا، يجعل من الخروج من هذا النفق المظلم أمرًا شديد التعقيد، ويضع مستقبل البلاد الاقتصادي والسياسي على حافة مرحلة مجهولة المعالم تتطلب قراءة مغايرة تمامًا لإدارة العلاقات الخارجية.

Exit mobile version