ثقافــة
من ملبورن إلى الدوحة والقاهرة وجدّة … (نوريت) تعيد سرد وجع اللجوء وأسئلة الذاكرة والمنفى
الدوحة - مشاوير : مجدي علي

منذ صدورها مطلع يناير 2026 عن (دار عرب للنشر والترجمة)، بدأت رواية (نوريت) للكاتب والصحفي والأكاديمي الإريتري د.عبد الرزاق كرّار عثمان رحلة حضور ثقافي متنامٍ، متنقّلة بين المنابر الثقافية في أستراليا وقطر ومصر والسعودية، ومستقطبة اهتمام القرّاء والنقّاد بما تطرحه من أسئلة إنسانية عميقة حول اللجوء والمنفى والهوية والذاكرة.
وتأتي (نوريت) بوصفها التجربة الروائية الأولى لعبد الرزاق كرّار عثمان، لكنها لم تكن انتقالًا مفاجئًا إلى عالم السرد، بل ثمرة مسار طويل من الكتابة والبحث والتأمّل في قضايا الإنسان والمنطقة.
فالكاتب الذي عرفه القراء عبر سنوات طويلة من خلال كتاباته الصحفية والسياسية والأكاديمية، ظلّ منشغلًا بأسئلة القرن الإفريقي، وتحوّلات المجتمعات، وتجارب الهجرة والاقتلاع، قبل أن تنتقل هذه الأسئلة إلى فضاء الرواية.
ويقول عبد الرزاق كرار عثمان لـ(مشاوير) إن فكرة (نوريت) ظلّت تراوده وتلحّ عليه حتى وجد نفسه أمام ضرورة كتابتها، موضحًا أن دخوله عالم الرواية لم يكن مشروعًا مخطّطًا له منذ البداية، وإنما جاء استجابة لفكرة وتجربة تراكمت داخله عبر سنوات طويلة حتى وجدت طريقها إلى الورق.
ويحمل الكاتب سيرة ثقافية ممتدة؛ فقد بدأ حضوره الأدبي والثقافي منذ تسعينيات القرن الماضي خلال سنوات دراسته في السودان، حيث كان حاضرًا في المنتديات الثقافية الإريترية، وعُرف بنشاطه الأدبي والنقابي، قبل أن ينتقل إلى أستراليا مطلع الألفية، حيث واصل مساره الأكاديمي حتى نال درجة الدكتوراه، جامعًا بين البحث والكتابة والعمل الصحفي والاهتمام بقضايا الثقافة والسياسة والهوية في منطقة القرن الإفريقي.
(نوريت) .. رواية الذاكرة والمنفى
تأخذ الرواية قارئها في رحلة إنسانية تبدأ من تخوم إريتريا ومعسكرات اللجوء في شرق السودان، قبل أن تمتد إلى شقّة صغيرة في مدينة جنيف، حيث تستيقظ البطلة ذات مساء في مدينة لا تشبهها، ثم تدخل في غيبوبة طويلة تفتح الطريق أمام رحلة أخرى داخل طبقات الذاكرة وما تختزنه من خوف وفقد وأسئلة معلّقة.
ومن خلال شخصية (نوريت)، تستعيد الرواية طفولة مثقلة بالخوف، وتجارب الفقد والاقتلاع، ومنفى يتأرجح بين محاولة النجاة وثقل الماضي. وبينما يحاول الطبيب فك لغز صمتها، تنبعث من أعماقها حيوات بعيدة تكشف مسار امرأة تحمل آثار المكان الأول حتى بعد عبورها الحدود.
ولا تقدّم الرواية اللجوء باعتباره مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل بوصفه تجربة إنسانية مركبة تمتد إلى الذاكرة والهوية والعلاقة بالوطن. فهي تعود إلى جذور الاقتلاع، وتبحث في الظروف التي تدفع الإنسان إلى مغادرة أرضه، مستعيدة تفاصيل الحياة اليومية في معسكرات اللاجئين بشرق السودان، بما فيها من قسوة وانتظار، وفي الوقت ذاته من قدرة على الصمود والتشبّث بالحياة.
ومن مخيم عبودة إلى جنيف، تتحوّل رحلة (نوريت) إلى صورة أوسع للإنسان الذي يفقد المكان لكنه لا يفقد صلته به، حيث تصبح الذاكرة مساحة أخيرة لحفظ الهوية، ويغدو المنفى سؤالًا مفتوحًا حول معنى الانتماء والنجاة.

ملبورن .. المحطة الأولى
كانت مدينة ملبورن الأسترالية المحطة الأولى في رحلة الاحتفاء بالرواية، حيث شهدت في 17 أبريل 2026 التدشين الأول لـ(نوريت) في أمسية ثقافية أقيمت بدعوة من موقعي (عدوليس) و(عونا)، وسط حضور عدد من المثقّفين والمهتمين بالأدب الإريتري والكتابة العربية.
وفي الحفل الذي قدّمه جمال النقّاد، تناول د.عبد الخالق السر الرواية في قراءة نقدية ركّزت على ما تحمله من حداثة وإدهاش ومتعة سردية، مشيرًا إلى قوة البناء الروائي وتطوّر الأحداث وتراكيب النص، وقدرة الكاتب على إدارة مسارات الحكاية بطريقة تخالف توقعات القارئ وتفتح أمامه مساحات متعدّدة للتأويل.
وركّز محمد إسماعيل هنقلا في قراءته في الحفل على الجوانب الفنية والجمالية للرواية، متناولًا تقنيات السرد والعتبات النصية، بدءًا من غلاف الكتاب وصولًا إلى تفاصيل البناء الروائي، مشيرًا إلى قدرة الكاتب على تشكيل عالم سردي متماسك يجمع بين التجربة الإنسانية والرؤية الفنية.
كما تحدّث محمد نور أحمد عن أهمية الرواية بوصفها إضافة إلى الأدب الإريتري المكتوب بالعربية، مؤكّدًا أن العمل يفتح الباب أمام القرّاء للدخول إلى عوالم جديدة من التجربة الإريترية، وتوقّف عند الجانب الغنائي المرتبط باسم (نوريت) عنوان الرواية وما يحمله من دلالات ثقافية ووجدانية. واختتمت الأمسية بتوقيع الكاتب نسخًا من الرواية، في فعالية شكّلت الإعلان الأول عن حضور تجربة روائية جديدة في المشهد الإريتري والعربي.
كتارا .. احتفاء رغم غياب الكاتب
بعد تدشينها الأول في ملبورن، واصلت (نوريت) حضورها الثقافي من خلال العاصمة القطرية الدوحة، حيث احتضنت مكتبة كتارا للرواية العربية فعالية خاصة للاحتفاء بالرواية، بحضور الأدباء والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي، يتقدّمهم مدير المكتبة خالد المهندي.
وتضمّنت الفعالية تقديم قراءة نقدية للروائي إبراهيم اللولا، فيما أدار الجلسة الروائي هاشم محمود، الذي أشاد بتجربة الكاتب ومسيرته الأكاديمية والثقافية، مؤكّدًا أن الرواية تسلّط الضوء على البعد الإنساني لقضايا اللجوء والشتات، وتقدّم مقاربة سردية تقوم على بناء الشخصيات واستعادة الذاكرة بعيدًا عن المعالجة المباشرة.
واستعرض إبراهيم اللولا أبرز ملامح العمل، مشيرًا إلى قوة اللغة وسلاسة السرد وكثافة الأحداث، وقدرة الكاتب على بناء عالم روائي تتحرّك داخله الشخصيات وسط أسئلة التاريخ والهوية والمصير الإنساني. وتم خلال الفعالية بث كلمة مسجّلة للكاتب عبد الرزاق كرّار، عبّر فيها عن تقديره للمبادرة ولإدارة مكتبة كتارا والحضور، مشيدًا بدور المؤسسات الثقافية في دعم الكتاب وإتاحة المساحات للحوار حول الأعمال الأدبية.

المركز الثقافي السوداني .. ليلة الاحتفاء
ولم تتوقّف رحلة (نوريت) في الدوحة عند مكتبة كتارا، إذ شهد المركز الثقافي السوداني مساء الجمعة 12 يونيو 2026 أمسية أخرى للاحتفاء بالرواية، نظّمتها رابطة أبناء ولاية القضارف بدولة قطر، وسط حضور نوعي ضمّ نخبة من الأدباء والمثقّفين والإعلاميين وأصدقاء الكاتب ومحبّي القراءة.
ووصف عبد الرزاق كرّار الأمسية، في تصريح لـ(مشاوير)، بأنها واحدة من أجمل وأميز الفعاليات التي حظيت بها الرواية منذ صدورها، ليس فقط لحسن التنظيم والإعداد، وإنما للحضور النوعي الذي جمع نخبة من الأدباء والمثقفين والأصدقاء ومحبّي القراءة.
وقال إن التكريم الذي حظي به من أهل القضارف كان ذا وقع خاص، لما تمثّله المدينة من حضور أصيل في وجدانه وذاكرته، مشيرًا إلى أن تفاعل الحضور والأسئلة والمداخلات الثرية أكّد قدرة الأدب على خلق مساحات للحوار، وأن الأمسية تجاوزت كونها تدشينًا للكتاب لتصبح احتفاءً بالثقافة والكلمة.
وكان الروائي حامد الناظر قد افتتح الأمسية بقراءة نقدية تناول فيها الجوانب الفنية والسردية للرواية، مشيرًا إلى قدرتها على تجاوز كثير من الإشكالات التي تصاحب عادة العمل الروائي الأول، فيما قدّم خالد الزاكي قراءة متأنّية ركّزت على الإشارات والدلالات التي يحملها النص.
رواويس جدّة يحتفون بـ(نوريت)
ومن الدوحة إلى جدّة، واصلت الرواية حضورها في الفضاء الثقافي العربي، حيث احتضن منتدى الرواويس أمسية أدبية خُصّصت للاحتفاء بها، وسط حضور من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي وأبناء الجالية الإريترية.
وشهدت الأمسية تقديم دراسة نقدية للكاتب والباحث وليد محجوب، تناول فيها الرواية بوصفها عملًا ينفذ إلى واحدة من أكثر قضايا العصر إلحاحًا وتعقيدًا؛ قضية اللجوء الإنساني وما يتركه من آثار عميقة على الإنسان، ليس فقط من حيث فقدان المكان، وإنما من حيث تأثيره على الذاكرة والهوية والشعور بالانتماء.
وأشار محجوب إلى أن (نوريت) لا ترصد رحلة اللاجئ في محطاتها الأخيرة فقط، وإنما تعود إلى الجذور الأولى للاقتلاع، باحثة في الظروف التي تنتج اللجوء وتعيد إنتاج مآسيه عبر الأجيال، مشيدًا بقدرة الكاتب على تصوير تفاصيل الحياة داخل معسكرات اللاجئين بعيدًا عن التناول المباشر أو الخطابي.




