يمر المشهد السياسي والتنظيمي للحركة الإسلامية في السودان ومن خلفها حزب المؤتمر الوطني المحلول بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً منذ الإطاحة بنظام عمر البشير، حيث تجاوزت الخلافات المكتومة جدران السجون والمعتقلات لتتحول إلى حراك علني عاصف يهدد التماسك التنظيمي للمجموعة التي أدارت المشهد السوداني لعقود طويلة.
وتكشف المعطيات الراهنة، وما تسرب من كواليس الحراك الدائر في ولايات الشرق والنيل الأزرق والأبيض ودارفور والشمالية وأجزاء من الجزيرة، عن رغبة عارمة لدى القواعد والقيادات الولائية في إجراء مراجعة شاملة وإعادة تأسيس وهيكلة، وصلت إلى حد المطالبة غير المسبوقة بسحب الثقة من الأمين العام للحركة علي كرتي ومعاونيه، مما يؤشر على ضيق ذرع القواعد باحتكار ولاية الخرطوم للقرار وانفصال القيادة التاريخية عن واقع الأرض والتحولات الإقليمية والدولية.
إن هذه التصدعات الداخلية ليست نتاج اللحظة الراهنة بل هي امتداد لشرخ عميق بدأ يتشكل منذ زنازين كوبر، حيث انقسمت القيادات المعزولة إلى تيارين رئيسيين؛ تيار قاده البشير وعلي كرتي كان يرى ضرورة التعجيل بالتغيير والعودة إلى السلطة بأي ثمن، مستنداً إلى تقديرات سياسية وتطمينات بأن الأوضاع داخل قوى الحرية والتغيير هشة وحكومة حمدوك محاصرة، وتيار آخر تحفظي قاده دكتور نافع علي نافع، الذي رفض فكرة القفز فوق الأخطاء التنظيمية التاريخية وطالب بإعادة بناء الحركة مؤسسياً وتطهيرها من الممارسات التي هوت بها، مستقطباً قيادات من داخل وخارج الحزب الحاكم سابقاً، وهو ذات الرفض الذي أبداه الدكتور علي الحاج أمين المؤتمر الشعبي لأي ترتيبات انقلابية تعيد النظام القديم بحذافيره، مما تسبب لاحقاً في انقسام حزبه أيضاً.
لقد استغلت المجموعة المحسوبة على علي كرتي وأحمد هارون حالة السيولة السياسية في عهد حكومة الفترة الانتقالية، فوظفت حراك الناظر ترك بشرق السودان والتوترات مع الحركات المسلحة، وهندست اعتصام القصر الجمهوري الشهير بـ “اعتصام الموز” لإيجاد غطاء شعبي يدفع العسكريين للإطاحة بالمدنيين.
ورغم نجاح هذا المخطط في تجميد المسار الانتقالي، إلا أنه قاد سريعاً إلى صدام حتمي مع قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” الذي شعر بالخدعة ورفض عودة الإسلاميين إلى مفاصل الدولة، ليدخل البرهان لاحقاً في الاتفاق الإطاري تحت وطأة الضغوط، مما استدعى استنفاراً مضاداً من التيار الإسلامي العريض لإجهاض هذا المسار، وهي التعبئة التي قادت الأجواء السياسية نحو الانفجار العسكري الشامل.
ومع اندلاع الحرب، تحول المؤتمر الوطني تحت قيادة كرتي وهارون إلى “حزب حربي” يركز كل جهوده وموارد الولايات نحو الاستنفار والعمل العسكري، مما منحه نفوذاً واسعاً في الداخل مستغلاً أشواق العضوية في استعادة نفوذها المفقود، غير أن هذا التوجه عمّق الخلافات مع تيار دكتور نافع ودكتور إبراهيم محمود المتواجدين بثقل كبير في تركيا، واللذين يريان في التمترس العسكري دون أفق سياسي ومؤسسي مجازفة بالبلاد وبمستقبل الحركة نفسها.
وتجسدت هذه الأزمة في الصراع حول الشرعية التنظيمية عندما أعلن إبراهيم محمود عن أمانة جديدة للحزب، ليرد عليه هارون وكرتي بشورى مضادة في عطبرة، مما جعل التيارين يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان إلا في دعم المجهود الحربي.
إن التطورات الأخيرة المتمثلة في الحراك الولائي الواسع للمطالبة بـ “الشورى” و”إعادة الاعتبار للمؤسسية الدعوية” وفتح ملف رعاية أسر الشهداء والمستنفرين عبر هيئة مستقلة، تعكس رغبة القواعد في كسر احتكار محوري الدوحة وإسطنبول للقرار الإسلامي السوداني.
وفي ظل تعزيز علي كرتي لموقفه عبر تجديد ولايته في التيار الإسلامي العريض، ومراهنة أحمد هارون على قوات العمل الخاص وثقة القيادة التاريخية، يقف تيار نافع علي نافع مستنداً إلى ترتيبات داخلية واثقة وخلفية تنظيمية قوية في القواعد، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة علنية فاصلة ستحدد نتيجتها ليس فقط من يكسب الرهان على قيادة الحركة، بل ومستقبل التوازنات السياسية والعسكرية في السودان بأكمله.