افتقدنا الرشيد علي عمر

محمد عبد الماجد

يقدم إعلام الهلال في السنوات الأخيرة صورةً مثاليةً جداً لا تتوافق مع واقعنا الذي نعيش فيه، ولا يجابه الفساد الذي تشهده الساحة بشكلٍ عام والساحة الرياضية على وجه الخصوص.

الصحافة الورقية كانت تملك أنياباً أقوى لمواجهة تلك التفلتات والتجاوزات، فأحياناً لا تملك أن تواجه التفلت إلا بتفلتٍ مثله، و”لا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديدُ”.

السوشيال ميديا بطبيعة حالها لا تصمد كثيراً، ما يُكتب اليوم ينتهي أثره في الغد، وهذه طبيعة الميديا لأنها قائمة على التريند والسرعة.

الصحافة الورقية أقدر على مجابهة الفساد، وقد كانت الصحافة الورقية تمثل بعبعاً مخيفاً للفاسدين ورعاة الفساد، الآن أهل الفساد جرأتهم أصبحت أكبر وعيونهم أصبحت قويةً، هذا لا يجعلنا نغفل دور مواقع التواصل الاجتماعي وما تقوم به، فقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي هي المحرك الفعلي للثورات العربية التي شهدتها المنطقة، لكن حتى يحدث ذلك فإننا نحتاج إلى تراكماتٍ كثيرة ونحتاج كذلك لعوامل أخرى لا مجال لذكرها الآن.

صناعة المحتوى وتوجه الخوارزميات يقودك في أوقاتٍ كثيرة إلى أهدافٍ أخرى قد لا تكون نبيلةً.

عيب مواقع التواصل الاجتماعي أن الصالح والطالح يختلط فيها، لذلك في أحيانٍ كثيرة لا تعرف أن تفرق بين الحابل والنابل، كما أن هنالك لجاناً وأفراداً غير مسؤولين ولا يملكون الوعي الكافي يمكن أن يتسببوا في التغويش والتسويف والتشكيك بقصدٍ أو بدون قصد، عن طريق أهواءٍ غير سويةٍ أو عن طريق لجانٍ إلكترونية متخصصة أو مدفوعة الثمن.

ما يحدث في مواقع التواصل في كثيرٍ من الأحيان يكون بعيداً عن الواقع، والإعلام الحديث عامةً أصبح يصنع عالماً افتراضياً.

في هذا التوقيت وتلك القضية التي يمكن أن نطلق عليها (الدخيري قيت) افتقدنا الزميل الرشيد علي عمر، فقد كان للرشيد وصحيفته دورٌ كبيرٌ في كشف فساد الاتحاد وفي زلزلة اتحاد ما عُرف باتحاد اللقيمات.

أتحدث عن الرشيد النسخة الورقية.

للرشيد أسلوبه الخاص وهو بارع في صناعة المفردات التي تملك القدرة على التعايش والبقاء ككائناتٍ حيةٍ ومستقلةٍ ومتحركة.

معظم الألقاب التي عُرف بها الرياضيون أطلقها الرشيد علي عمر لأنه كان يمتلك منجماً لغوياً في الألقاب.

أعتقد أن الرشيد علي عمر هو من أطلق على الزعيم الطيب عبد الله لقب (البابا)، وهو لقب يتوافق تماماً مع الطيب عبد الله، وأعتقد أنه هو صاحب لقب (المعلم) لخالد بخيت، و(البرنس) لهيثم مصطفى، أرجو تصحيحي إذا كانت المعلومات غير صحيحة، سوف أجتهد في كتابة مادةٍ عن الألقاب الرياضية ومن أين خرجت؟ ومتى كان ذلك؟ وما هو السبب؟

يُحسب للرشيد أيضاً أنه كان يدعم الصحفيين الشباب ويرعى مواهبهم، وهو كشاف مواهب، يمتلك قدرةً لالتقاط الموهبة وصيدها لو كانت في أعماق أعماق البحر.

كثيرون قد يختلفون مع الرشيد علي عمر، وكثيرون يمكن أن يكون عندهم فيه رأي، وهذا طبيعي لأن كل الصحفيين يكون للقراء فيهم رأي، لكن الذي لا خلاف فيه أن جمهور الهلال كان يحرص على صحيفة (حبيب البلد) ومن بعدها (الأسياد) عندما ينتصر الهلال وعندما يخسر المريخ، وقد كان الرشيد يبدع في العناوين وهو صاحب مدرسةٍ وأسلوبٍ لا يُجارى في هذا الجانب.

الرشيد علي عمر كان يملك مفردةً فتاكةً قادرةً على دك كل المؤامرات التي يمكن أن يتعرض لها الهلال.

نتفق أو نختلف على ذلك، فهذا أمرٌ لا يعنيني كثيراً لأنه لا يوجد في الأرض من يُتفق عليه… حتى الخالون من العيوب لا اتفاق حولهم، وإن كنا نتفق جميعاً أنه لا يوجد أحدٌ كامل، نحن نتحدث عن مجرد نسب.

قد يُؤخذ على الرشيد حدتُه أو لجوءه للقوة المفرطة، ولكن من منا بلا عيوب؟

وهنا، من منطلق حرية الصحافة وإيماناً بالمبدأ، نعلن تضامننا الكامل مع الزميل نادر عطا والزميلة مها التلب، ونتمنى ألا يكون هنالك تعسفٌ في استعمال السلطة أو القانون ضدهما.

لا أعرف تفاصيل الشكاوى التي قُدمت ضدهما، ولكن بغض النظر عن التفاصيل أرجو أن يتم ذلك في ظل محاكماتٍ عادلة، ونعلن تضامننا معهما في ظل غياب القانون أو سوء استعماله في هذه الأجواء التي نفتقد فيها مقومات العدالة.

أناشد الشاذلي عبد المجيد والعليقي بالنظر إلى الوضع الصحي لوالدة نادر عطا، مع ما يمكن أن يكون قد لحق بهما من ضرر، لكن عشمي فيهما كبير.

الواضح أن البلاد فيها أكثر من سلطة، وكل سلطةٍ تستعمل القانون بالكيفية التي تريحها.. لدرجة أنه عندما يتم اعتقال أحدٍ في بورتسودان أو الخرطوم أو في أي مدينةٍ سودانية، فإن السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع هو: من هي الجهة التي اعتقلته؟ وقد تحتاج إلى أسبوعٍ أو عشرة أيامٍ أو شهرٍ لتعرف فقط الجهة التي اعتقلته.

سوف نعمل من أجل أن نواجه هذه التجاوزات بقوة، حتى وإن أدى ذلك لأن نكون ضحايا من أجل محاربة هذه التجاوزات.

Exit mobile version