حوارات
أمير كمال لـ(مشاوير): الأكورديون لم يكن مجرد آلة مصاحبة .. بل صوتا أساسيًا في كتابة تاريخ الأغنية السودانية
عصام محمد نور فتح لي باب الاحتراف .. وجمال فرفور نقلني إلى مرحلة النضج الموسيقي

التكنولوجيا ستغيّر شكل الموسيقى.. لكنها لن تصنع روحها
الدوحة – مشاوير: حوار: مجدي علي
يُعدّ الموسيقي أمير كمال واحدًا من أبرز عازفي الأكورديون في السودان، فقد ارتبط اسمه بتجارب فنية متعدّدة على خشبة المسرح وفي الاستديوهات، جامعًا بين العزف والتوزيع الموسيقي وهندسة الصوت، وراكم خبرة امتدت لأكثر من عقدين من العمل مع عدد من أبرز الفنانين السودانيين. لكن تجربة أمير كمال المميزة لا تقف عند حدود العازف المحترف؛ فهي تمثل شهادة حيّة على مسار آلة الأكورديون في السودان، وكيف انتقلت من آلة وافدة إلى عنصر أساسي في تشكيل هوية الأغنية السودانية. ومن خلال تجربته، يفتح الحوار نوافذ على تاريخ الفرق الموسيقية، ودور العازف كشريك في صناعة الأغنية، وتطور تقنيات التسجيل والصوت، والتحولات التي مر بها المشهد الموسيقي السوداني.
في هذا الحوار، يستعيد أمير كمال بداياته ورحلته مع الأكورديون ومحطاته مع كبار الفنانين، ويتناول تاريخ الآلة ودور العازفين في صناعة الأغنية، إلى جانب تجربته في هندسة الصوت وتحوّلات المشهد الموسيقي السوداني. إنه حوار يقدّم شهادة من الداخل على مسيرة آلة صنعت لونًا مميزًا في الأغنية السودانية، وتجربة جيل من العازفين الذين أسهموا في تشكيل وجدان المستمع.
عندما تعود إلى عطبرة الأولى، ماذا تستعيد من المدينة التي شكّلت شخصيتك وذائقتك الموسيقية الأولى؟
عطبرة مدينة غنيّة عن التعريف، ويمكن وصفها بأنها (سودان مصغّر)، فقد جمعت مختلف مكونات المجتمع السوداني، وارتبط تاريخها بالعمال والموظفين والحرفيين، لذلك ظلت مدينة ذات طابع إنساني خاص. أفتخر بانتمائي إلى السودان، كما أفتخر بأنني من أبناء عطبرة، فمسقط الرأس يظل له مكانة مختلفة في القلب. ولدت في عطبرة وعشت بدايات طفولتي فيها، لكن ظروف الأسرة جعلتنا ننتقل مبكّرًا إلى أم درمان. ورغم قصر الفترة التي عشتها هناك، ظل ارتباطي بها حاضرًا؛ فقد كنا نزورها باستمرار، وأتذكّر المستشفى الذي ولدت فيه، والشوارع التي لعبت فيها، والجيران والأقارب، وهذه التفاصيل عمّقت إحساسي بالانتماء.
ومع مرور الزمن ازداد حبي لعطبرة. وفي آخر زيارة لي إليها بعد اندلاع الحرب شعرت بمعنى مختلف للمكان؛ فقد أصبحت أزورها بصفتي موسيقيًا يعرفه الناس من خلال الإعلام والتلفزيون، وكان استقبالهم مليئًا بالمحبّة والاعتزاز. عندما يقول لك أحدهم “نحن نفتخر بأنك من أبناء عطبرة” تشعر بأن ما قدمته لم يذهب سدى. لذلك ستظل عطبرة جزءًا أساسيًا من تكويني.
كيف كانت البدايات داخل الأسرة والطفولة؟ ومتى أدركت أن الموسيقى يمكن أن تكون مشروع حياة؟
كانت بداياتي طبيعية؛ كنت طفلًا يحب الغناء ويملأ البيت بالحيوية. وفي المدرسة بدأت علاقتي بالموسيقى تتضح من خلال الأناشيد المدرسية، حيث كنت أضع ألحانًا للكلمات الجديدة مستفيدًا من الأغنيات المعروفة. أما علاقتي بالأكورديون فبدأت بفضل خالتي سمية محمد أحمد أبو دقين، وهي من أوائل عازفات الأكورديون في السودان.
كانت الآلة موجودة في المنزل، وكنت أحملها كلما سنحت لي الفرصة وأحاول العزف عليها، حتى نشأت بيني وبينها علاقة خاصة. بدأت تعلم الأكورديون في الصف الخامس الابتدائي، ثم أصبح رفيقي خلال الدراسة، ومع دخولي المرحلة المتوسطة بدأت أتعامل معه بجدية أكبر، ومن هنا بدأت خطواتي الأولى نحو الاحتراف.
وللأسرة دور كبير في هذه الرحلة؛ فأنا حفيد الراحل محمد أحمد أبو دقين، أحد الشخصيات المعروفة في عطبرة، وكانت تربطه علاقة قوية بالفنان حسن خليفة العطبراوي، بل كان أول من أهداه آلة العود، وكانت بدايات العطبراوي تمر كثيرًا عبر مجلس بيتنا في حي الحصايا. وأؤمن بأن أي مشروع ناجح يحتاج إلى أسرة تؤمن بموهبة أبنائها، ومنذ تلك السنوات أدركت أن الموسيقى لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت مشروع حياة.
ماذا أضافت لك أم درمان؟ وكيف أسهمت في تشكيل تجربتك الموسيقية؟
أم درمان بالنسبة لي ليست مجرد مدينة عشت فيها، بل مدرسة مفتوحة تعلّمت منها الكثير. بعد انتقال الأسرة إليها، وتحديدًا إلى الفتيحاب وأبو سعد، قضيت مراحل دراستي كلها، وهناك بدأت رحلتي الحقيقية مع الموسيقى. في المدارس كان النشاط الثقافي حاضرًا بقوة؛ فالجمعيات الأدبية والفصول الموسيقية والأساتذة المتخصّصون ساعدوا في اكتشاف المواهب وصقلها. وفي المرحلة الثانوية أصبحت الأنشطة أقرب إلى الاحتراف، ثم جاءت مرحلة الجامعة التي توسّعت فيها التجربة من خلال الحفلات والمشاركات المختلفة، وبدأ الاحتكاك بالموسيقيين والفنانين. في تلك الفترة كنت أعزف مع الفنان جمال فرفور، وكذلك مع الفنان عصام محمد نور، كما كنت عضوًا في مركز شباب أم درمان منذ عام 1997.
أم درمان مدينة لا تشبه غيرها؛ فهي الإذاعة والتلفزيون والمسرح القومي ودار الغناء الشعبي واتحاد المهن الموسيقية والمنتديات والمجالس الفنية. لذلك أقول إنها أسهمت بشكل أساسي في تكويني الإنساني والموسيقي، وكانت المرحلة التي انتقلت فيها من مُحب للموسيقى إلى موسيقي يسعى إلى الاحتراف.

لماذا اخترت الأكورديون في زمن كانت فيه آلات مثل العود والكمان أكثر حضورًا؟
نشأت في أسرة فنية؛ فخالتي سمية محمد أحمد أبو دقين كانت من أوائل عازفات الأكورديون في السودان، وكان خالي الأرقم محمد أحمد أبو دقين مغنيًا وعازف عود. ورغم وجود العود في الأسرة، وجدت نفسي أميل إلى الأكورديون.
أشعر أن هذه الآلة الأقرب إلى ترجمة إحساسي، وعلاقتي بها تشبه علاقة الإنسان بصديق عزيز يحتضنه بعد غياب طويل. الأكورديون بالنسبة لي آلة استثنائية؛ لها حضور بصري وصوتي خاص، وتلفت الانتباه داخل الفرقة الموسيقية، لذلك لم يكن اختياري لها مجرد صدفة، بل كان اختيارًا وجدانيًا استمر حتى اليوم.
كان مركز شباب أم درمان محطة أساسية في مسيرتك؛ ما الذي ميّزه؟
كان مركز شباب أم درمان البداية الأولى لي منذ عام 1997 وحتى 1999. كان يجمع الموسيقيين من مختلف أنحاء السودان، وكل من يأتي إلى أم درمان لتطوير موهبته كان يجد فيه مساحة للتعلم والتجربة. كان المركز يمثّل الخطوة الأولى قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا مثل اتحاد المهن الموسيقية، وقد خرج منه جيل كامل من الموسيقيين، ونافس الاتحاد من حيث النشاط والحضور، لأنه ضم عازفين يعملون مع كبار الفنانين رغم أنهم لم يكونوا أعضاء في الاتحاد بعد. حتى اليوم عندما أمر بالقرب من المركز أشعر بارتباط خاص به؛ فهو ليس مجرد مكان، بل جزء من ذاكرتي ورحلتي الفنية.
ماذا تتذكّر من تجربتك الأولى على مسرح البقعة؟ ومتى تحولت الموسيقى من موهبة إلى مسؤولية؟
كانت تجربتي الأولى على مسرح البقعة نقطة تحوّل مهمّة. ففي مركز شباب أم درمان اختارني زميلي الراحل ياسر يوسف، عازف الجيتار، للمشاركة في أغنية بعنوان (غربة) مع محمد تبيدي. كانت تجربة كبيرة بالنسبة لي؛ فقد قدمت الأغنية بوصفـي عازف صولو للأكورديون أمام جمهور كبير، ولاقت إشادة من الموسيقيين بطريقة توظيف الأكورديون، كما فازت الأغنية في ذلك الوقت. وفي اليوم التالي تلقيت اتصالًا من الفنان عصام محمد نور، طلب مني الانضمام إلى فرقته الموسيقية. ومنذ تلك اللحظة شعرت أن الموسيقى انتقلت من مرحلة الهواية إلى مرحلة المسؤولية والاحتراف، وأصبحت مطالبًا بالالتزام بالبروفات والعمل مع فنان يمتلك مشروعًا فنيًا كبيرًا.
في رأيك، متى يصبح العازف موسيقيًا حقيقيًا: عند إتقان الآلة أم عندما يمتلك رؤية وصوتًا خاصًا؟
هناك فرق بين العازف والموسيقي. فالعازف قد يجيد التعامل مع آلة معينة، لكن الموسيقي هو من يمتلك معرفة عميقة بالموسيقى ورؤية خاصة ومسؤولية تجاه ما يقدمه. إتقان الآلة هو البداية وليس النهاية، وبعد اكتشاف العازف أسرار آلته تبدأ المرحلة الأهم، وهي تكوين شخصيته وصوته الخاص. الموسيقى تقوم على سبع نغمات فقط، لكنها أنتجت آلاف الألحان والمقطوعات والسيمفونيات المختلفة، وهنا يكمن سحرها. فلكل مؤلّف موسيقي لغته الخاصة، ولكل عازف بصمته التي تميزه عن غيره. وأضرب دائمًا مثالًا بأستاذي الراحل محمدية؛ فعندما كان يعزف الكمان لم يكن مجرد عازف ماهر، بل كان يمتلك إحساسًا وشخصية موسيقية خاصة، حتى إن المستمع كان يعرفه من الجملة الأولى.
فالموسيقي الحقيقي هو من يجمع بين إتقان الآلة والرؤية والقدرة على التعبير عن ذاته من خلالها.
كيف كانت تجربتك مع الفنان عصام محمد نور؟ وماذا أضافت لك تجربة جمال فرفور؟
كانت تجربتي مع عصام محمد نور انتقالًا من مرحلة التجربة إلى الاحتراف. عملت معه نحو أربع سنوات، وكانت مرحلة مهمّة في تكوين شخصيتي الموسيقية. رافقته في الاستوديوهات والقنوات والإذاعات، وسافرت إلى مدن كثيرة داخل السودان وخارجه، واكتسبت خبرات كبيرة. وعلى المستوى الإنساني تعلمت منه الكثير؛ فهو إنسان بسيط وبشوش، يمنح من يعملون معه شعورًا بالراحة والاحترام، وله فضل كبير في تكويني الفني والإنساني. أما تجربة الفنان جمال فرفور فامتدت نحو أحد عشر عامًا، وكانت من أطول التجارب في مسيرتي. وإذا كانت تجربة عصام رسّخت بداياتي الاحترافية، فإن تجربة جمال نقلتني إلى مرحلة جديدة من النضج الموسيقي، لما يمتلكه من قدرة على التنقّل بين مدارس غنائية مختلفة، من الحقيبة إلى الأغنية الحديثة وأعماله الخاصة.
هذا التنوّع في تجارب منحني مساحة واسعة لاختبار قدراتي، لأن الفرقة كانت مطالبة بالتعامل مع ألوان موسيقية متعددة. ولا تزال علاقتي بجمال فرفور قائمة على الود والاحترام؛ فقد نتوقف عن العمل معًا، لكن العلاقات الإنسانية تبقى.
خلال تجربتك مع أجيال مختلفة من الفنانين، ما المحطات التي تركت أثرًا خاصًا في مسيرتك؟
هناك محطات كثيرة لا يمكن نسيانها. إلى جانب عصام محمد نور وجمال فرفور، أذكر الفنان الراحل زيدان إبراهيم، فقد كنت محظوظًا بالمشاركة معه في بعض الحفلات، رغم أن الفترة لم تكن طويلة. ومن التجارب التي لا أنساها حفلة على مسرح الثغر في بورتسودان جمعت زيدان إبراهيم وإبراهيم حسين وعصام محمد نور، وكانت أول مشاركة لي كعازف أكورديون مع زيدان. وزيدان بالنسبة لي لم يكن مجرد مطرب، بل كان إنسانًا ومربيًا وصاحب حضور خاص، وكان قريبًا من الناس، وهذه الروح تمنح الموسيقي مساحة للإبداع. كما كانت لي تجارب مع قامات كبيرة مثل محمد وردي، وعبد الكريم الكابلي، وإبراهيم حسين، وسيف الجامعة، وعبد العزيز المبارك وغيرهم. وبعض هذه المشاركات لم تطل، لكنها كانت مدارس حقيقية. ومن التجارب المهمة أيضًا مشاركتي في برنامج (أغاني وأغاني) لعدة سنوات، فقد أتاح لي التعامل مع عدد كبير من الفنانين والألوان الغنائية المختلفة، وكل محطة تركت أثرًا في تكويني الموسيقي والإنساني.

الأكورديون رفيق رحلتك الموسيقية؛ ماذا منحك؟ وكيف انتقل من آلة وافدة إلى جزء من هوية الأغنية السودانية؟
الأكورديون من الآلات التي تمتلك حضورًا خاصًا داخل الفرقة، بل يمكن القول إنه من الآلات التي تقود الأوركسترا، ولذلك يحتاج عازفه إلى شخصية موسيقية واضحة وقدرة على التفاعل مع بقية الآلات. بالنسبة لي، منحني الأكورديون الثقة بالنفس، وجعلني أكثر ارتباطًا بالموسيقى؛ فالقدرة على تحويل آلة صامتة إلى جمال ونغم تصنع شخصية مختلفة. أما ما أضفته أنا للأكورديون، فأعتقد أنه أسلوبي الخاص في التعامل معه، فكل عازف يترك بصمته وطريقته التي يمكن تمييزها. أما من ناحية تاريخه في السودان، فالأكورديون ليس آلة جديدة، بل له حضور طويل. ففي فترة الحقيبة، عندما بدأت الآلات الموسيقية تدخل إلى الأغنية السودانية، كان من أوائل عازفيه السودانيين وهبة، وهناك تسجيلات قديمة تؤكّد حضوره. صحيح أنه آلة وافدة، لكنه دخل السودان منذ وقت مبكر، خاصة مع التأثيرات المتبادلة بين السودان ومصر قبل الاستقلال، حيث كان حاضرًا بقوة في الموسيقى المصرية وانتقل تأثيره إلى السودان. كما تأثّر الفنانون السودانيون بالموسيقى المصرية في مراحل مختلفة، سواء في بناء الألحان أو المقدمات الموسيقية الطويلة، ويمكن ملاحظة ذلك في أعمال كبار الفنانين مثل محمد وردي ومحمد الأمين وغيرهما. لذلك لم يكن الأكورديون مجرد آلة جاءت من الخارج، بل أصبح مع الزمن جزءًا من النسيج الموسيقي السوداني وأسهم في تشكيل هوية الأغنية.
هل أسّس العازفون السودانيون مدرسة خاصة في عزف الأكورديون؟
بكل تأكيد. السودان أنجب أسماء كبيرة في عزف الأكورديون، ويمكن القول إن هناك مدرسة سودانية خاصة في هذه الآلة انتقلت خبراتها بين الأجيال. الرواد وضعوا الأساس، ثم جاء جيلنا ليواصل الطريق، واليوم هناك جيل جديد يواصل المسيرة. تميّز الأكورديون في السودان بأنه لم يكن مجرد آلة مصاحبة، بل أصبحت له جمل موسيقية وصولوهات كُتبت خصيصًا له، حتى أصبح من الصعب تخيل بعض الأغنيات من دون صوته. لذلك أراه جزءًا من الهوية الصوتية للأغنية السودانية.
إذا أردنا كتابة تاريخ الأكورديون في السودان، فمن هم العازفون الذين لا يمكن تجاوز أدوارهم؟
هناك أسماء كثيرة تستحق أن تُكتب في تاريخ الموسيقى السودانية، لكن المشكلة أن الاهتمام في فترات طويلة، خاصة في عهد الإذاعة، كان منصبًا على المطرب أكثر من أعضاء الفرقة الموسيقية، لذلك عرف الجمهور أسماء المطربين أكثر من الموسيقيين الذين صنعوا ذلك الجمال. ومن الأسماء التي تستحق مكانة أكبر في الذاكرة الفنية الراحل الفاتح الهادي، الذي أعتبره من أعظم عازفي الأكورديون في السودان. كان يمتلك أسلوبًا خاصًا حتى أطلق عليه كثيرون لقب (ساحر الأكورديون)، وتكفي العودة إلى تسجيلاته مع عبد الكريم الكابلي والبلابل وزيدان إبراهيم لمعرفة حجم موهبته. ورغم هذه القيمة الكبيرة، فإن ظهوره الإعلامي كان محدودًا، لذلك لم تعرفه الأجيال الجديدة كما ينبغي. كما أذكر أزهري عبد القادر، وهو من العازفين الذين قدّموا تجربة متميزة، لكن الهجرة وخروج عدد كبير من الموسيقيين من السودان حرما كثيرًا من هذه التجارب من التوثيق. لذلك نحن بحاجة إلى جمع سير هؤلاء الرواد وتوثيق أعمالهم، لأنهم جزء من تاريخ الموسيقى السودانية.
كيف ترى مستقبل الأكورديون في الموسيقى السودانية؟ وهل أثّر ظهور الأورغ والكيبورد في حضوره؟
مستقبل الأكورديون مرتبط بالاهتمام والتطوير والاستمرار. وأنا متفائل بمستقبله، لأن الموسيقى السودانية تعتمد بدرجة كبيرة على الجانب اللحني، وهذه مساحة تمنحه دورًا مهمًا، فهو من أكثر الآلات قدرة على التعبير عن اللحن وإضافة ألوان جميلة للأغنية.
أما ظهور الأورغ والكيبورد فلم يلغِ دور الأكورديون، فلكل آلة شخصيتها ووظيفتها، والموسيقى تقوم على التكامل لا الإلغاء. وعندما تجتمع الكمنجات والأكورديون والساكسفون والأورغ ينتج لون موسيقي أكثر ثراءً، كما أن هناك جملًا موسيقية كُتبت خصيصًا للأكورديون ولا تمنح الإحساس نفسه إذا عزفتها آلة أخرى. وإذا كانت هناك أزمة اليوم، فهي ليست أزمة آلة، وإنما نقص في عدد العازفين بسبب ظروف الحرب والهجرة.

عشت تجربة العزف مع عدد كبير من الفنانين؛ ما الذي لا يعرفه الجمهور عن عالم الأوركسترا؟
طبيعة عمل الموسيقي تجعله ينتقّل بين تجارب كثيرة؛ فقد يعمل اليوم مع فنان وغدًا مع فنان آخر، وهذا أمر طبيعي في حياة الموسيقي المحترف. لكن أجمل ما يبقى في الذاكرة ليس الحفلات فقط، بل التفاصيل الإنسانية التي ترافقها؛ من السفر والصداقات والمواقف اليومية والذكريات التي تتكوّن بين أعضاء الفرقة. الأوركسترا ليست مجرد مجموعة عازفين يقفون على المسرح، بل أسرة صغيرة تجمعها علاقات إنسانية وتعاون مستمر. وكثير من الجمهور لا يرى حجم الجهد الذي يسبق ظهور الأغنية، من تدريبات وبروفات وتحضير. وعندما نسافر للمشاركة في مهرجانات أو فعاليات خارج السودان، نشعر أننا لا نمثل أنفسنا فقط، بل نمثل وطنًا وثقافة وتاريخًا، وهذا يمنحنا إحساسًا كبيرًا بالمسؤولية.
هل فقدت الفرق الموسيقية الحديثة شيئًا من روح الفرق القديمة؟ ومن من الفنانين منحوا الموسيقيين مساحة للإبداع؟
لا أعتقد أن الفرق الحديثة فقدت روح الفرق القديمة؛ فالانضباط والحوار الموسيقي يظلان أساس العمل. أما عدد العازفين فهو مرتبط بالإمكانات المتوفرة، لكن البروفة تظل المكان الذي يتشكل فيه العمل قبل وصوله إلى الجمهور. أما الفنانون الذين منحوا الموسيقيين مساحة للإبداع، فأرى أن هذه الصفة كانت موجودة عند كثير من كبار الفنانين السودانيين، لأن الفنان والموسيقي شريكان في صناعة العمل، ولا يمكن أن يُنسب نجاح الأغنية إلى طرف واحد. ونجد ذلك في تجربة محمد وردي، الذي كان يمنح الآلات مساحات واسعة لتقديم السولوهات، وكذلك عبد العزيز المبارك ومحمد الأمين وغيرهما ممن أدركوا أن جمال الأغنية لا يصنعه الصوت وحده، بل الحوار بين الفنان والفرقة الموسيقية.
لماذا ظل العازف السوداني بعيدًا عن الضوء رغم أنه شريك أساسي في صناعة الأغنية؟
لا أرى أن العازف السوداني كان بعيدًا عن الضوء تمامًا، لكن طبيعة العمل الفني جعلت التركيز تاريخيًا على المطرب أكثر من أعضاء الفرقة. في زمن الإذاعة ارتبط اسم الأغنية بالمطرب، لأن الجمهور كان يستمع إليها صوتيًا، لكن مع ظهور التلفزيون ثم القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح للموسيقي مساحة أكبر للظهور والتعريف بتجربته. ومع ذلك، فإن حضور الموسيقي لا يعتمد على الإعلام وحده؛ فالعازف الذي يمتلك شخصية فنية وبصمة خاصة يترك أثره، مثل الراحل محمدية، الذي تميّز بعزفه وحضوره وشخصيته.
ما الذي يحتاجه الموسيقيون اليوم، ككيان، ليستعيدوا مكانتهم وحقوقهم؟
الموسيقيون في السودان يحتاجون إلى كيان مهني قوي يحفظ حقوقهم ويرعى مصالحهم. وأضرب دائمًا المثال بتجربة مصر، حيث أصبحت نقابة المهن الموسيقية مؤسسة تهتم بالموسيقي باعتباره صاحب مهنة، وتوفّر له خدمات مثل الرعاية الصحية والعلاج والمعاش والدعم الاجتماعي. في السودان كانت هناك جهود مقدّرة في هذا الجانب، وأذكر بكل احترام الراحل الفنان عبد القادر سالم، الذي بذل جهودًا كبيرة عبر اتحاد المهن الموسيقية، وسعى إلى تقديم خدمات للموسيقيين في مجالات العلاج والرعاية الاجتماعية والسكن.
أتمنى أن تتواصل هذه الجهود وأن تتطور المؤسسات التي تمثل الموسيقيين، لأن الموسيقى ليست مهنة هامشية، بل هي جزء أساسي من هوية المجتمع وثقافته. وعندما يقدم الوطن نفسه للعالم، فإنه لا يقدّم مؤسساته فقط، بل يقدّم ثقافته وفنونه، والموسيقى واحدة من أهم التعبيرات عن روح الشعوب.
كيف غيّرت هندسة الصوت فهمك للموسيقى؟ وما أبرز التحوّلات التي شهدتها الأغنية السودانية؟
أعتبر نفسي من المحظوظين لأنني عملت في مرحلة كانت تمثّل ذروة ازدهار صناعة التسجيلات في السودان، خصوصًا في زمن أشرطة الكاسيت. خلال تلك الفترة شاركت في تسجيل أعمال لعدد كبير من الفنانين من مختلف المدارس الغنائية، وهذا منحني فرصة للتعرف إلى تجارب موسيقية متنوعة. تعلّمت أن هندسة الصوت ليست مجرد تسجيل، بل هي جزء من العملية الإبداعية؛ فالمهندس الجيّد يعرف كيف يمنح كل آلة مساحتها، وكيف يوازن بين الأصوات ليخرج العمل في أفضل صورة.
ومن التحولات المهمّة التي شهدتها الأغنية السودانية دخول التوزيع الموسيقي الحديث، وأذكر تجربة الفنان الموصلي وما قدمته شركة حصاد من تسجيلات أحدثت نقلة واضحة في جودة الصوت والتوزيع، خاصة في أعمال فنانين مثل محمد وردي وإبراهيم عوض. كما أسهم تطوّر أجهزة التسجيل والمكساج والمنصّات الرقمية في منح الأغنية السودانية فرصًا أكبر للوصول إلى جمهور واسع.
كيف ترى دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى صناعة الموسيقى؟ هل هو فرصة أم تهديد؟
أنا لست ضد التكنولوجيا، بل أرى أنها ضرورة في كل المجالات، ومنها الموسيقى. العالم يتطور بسرعة، ومن لا يواكب التطور سيتجاوزه الزمن. التقنيات الحديثة أصبحت تساعد الموسيقي في إنجاز أعمال كثيرة بصورة أسرع وأكثر دقة، لكن التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تظل أداة وليست بديلًا عن الإنسان؛ فقد تساعد في بعض العمليات وتفتح آفاقًا جديدة للإبداع، لكنها لا تستطيع أن تستنسخ الإحساس الإنساني والرؤية الفنية.
الموسيقي الحقيقي هو من يوظف التكنولوجيا لخدمة فنه، لا أن يجعلها تقوده.

بعد أكثر من عقدين في الوسط الفني، ما التحوّل الأكبر الذي شهدته الأغنية السودانية؟ وهل ما زالت قادرة على إنتاج مدارس جديدة؟
الأغنية السودانية بخير رغم الظروف الصعبة التي يمر بها السودان والعالم. خلال العقود الماضية شهدت تحوّلات كبيرة، لكنها ظلت قادرة على التجدّد، لأن السودان يمتلك رصيدًا غنائيًا وثقافيًا ضخمًا. بلدنا غني بأبنائه ومبدعيه في مختلف المجالات، وهذه الثروة البشرية والثقافية تمنحنا الأمل بأن تستمر الموسيقى في إنتاج تجارب ومدارس جديدة.
الأغنية السودانية ليست مجرد فن يتأثر بالظروف وينزوي، بل هي جزء من هوية المجتمع وذاكرته، ولذلك ستظل قادرة على التعبير عن مراحل السودان المختلفة.
شاركت في برنامج (أغاني وأغاني)؛ كيف تقرأ التجربة من الداخل؟ وما أثرها في حفظ الذاكرة الغنائية؟
تجربة (أغاني وأغاني) من التجارب المهمة في مسيرتي، لأنها جمعتني بعدد كبير من الفنانين، وأتاحت لي التعامل مع مدارس وألوان غنائية مختلفة. البرنامج لعب دورًا مهمًا في تقديم الأغنية السودانية للأجيال الجديدة، وربط الشباب بالأعمال القديمة من خلال إعادة تقديمها بأصوات جديدة. وأتمنى أن يعود السودان إلى عافيته، وأن تعود برامجه وفنونه وثقافته بصورة أكبر وأجمل، وأن يعود البرنامج بروح جديدة تليق بمكانته.
بعد الحرب، ماذا خسرت الموسيقى السودانية؟ وهل استطاع الموسيقيون الحفاظ على حضورهم؟
الحرب لم تؤثّر على الموسيقى وحدها، بل أصابت الوطن كله. فقد السودان أرواحًا وممتلكات، وتأثرت كل القطاعات، ومنها القطاع الثقافي والفني. أترحّم على كل من فقدناهم خلال الحرب، من المدنيين والعسكريين، وكذلك الفنانين والموسيقيين الذين رحلوا خلالها.
لكن رغم ذلك لم تتوقّف الموسيقى السودانية؛ فقد واصل الفنانون والموسيقيون نشاطهم داخل السودان وخارجه، وأقيمت حفلات وفعاليات، واستمرت الأغنية السودانية في الوصول إلى جمهورها. المرحلة القادمة ستكون مرحلة إعادة بناء، ليس للموسيقى فقط، بل للسودان كله، وعلى كل صاحب مهنة أن يسهم في نهضة بلده من موقعه.
كيف أثّرت الحرب في علاقة الفنان بجمهوره؟ ومن يتحمل مسؤولية إنقاذ الذاكرة الموسيقية السودانية؟
لا أرى أن الحرب أضعفت علاقة الفنان بجمهوره، بل ربما جعلتها أكثر قوة. هناك فنانون ظلوا داخل السودان رغم الظروف القاسية وواصلوا حضورهم بين الناس، منهم الفنان أبو عركي البخيت والفنان طه سليمان وغيرهما. بعض الفنانين فتحوا بيوتهم، وشاركوا في المبادرات الإنسانية، وكانوا قريبين من جمهورهم في أصعب الأوقات، وفي المقابل ظل الجمهور سندًا للفنانين. أما مسؤولية إنقاذ الذاكرة الموسيقية السودانية فهي مسؤولية جماعية؛ ليست مسؤولية الفنان وحده أو المؤسسة وحدها، بل مسؤولية المجتمع كله. فالتراث الموسيقي ملك للشعب السوداني، وحفظه يحتاج إلى تعاون الفنانين والباحثين والمؤسسات الثقافية والإعلام والجمهور.
أثارت الحفلات الخارجية بعد الحرب جدلًا، ومنها مشاركتك مع الفنان طه سليمان في الإمارات. كيف تنظر إلى هذه القضية؟
يجب النظر إلى الأمر بواقعية. الفنان والموسيقي يمارسان مهنة وهي مصدر رزقهما، وكثير منهم أصبحوا مسؤولين عن إعالة أسرهم في ظروف اقتصادية صعبة بعد الحرب والنزوح. لذلك لا أرى أن إقامة الحفلات التجارية أمر معيب؛ فهي عمل مثل أي عمل آخر. أما مشاركتي مع الفنان طه سليمان، فقد بدأت من خلال عملنا معه في حفل كبير في قطر، حيث كنت المدير الفني لشركة (أطلانتس) لتنظيم الحفلات، ثم تم التواصل معنا للمشاركة في حفله بالإمارات. أُجّل الحفل بسبب الظروف الإقليمية، ثم أقيم لاحقًا خلال عيد الأضحى، وكان من الحفلات الناجحة من حيث التنظيم والحضور.
استمرار النشاط الفني لا يعني غياب الوطنية؛ فالفنان، مثل غيره، يحتاج إلى العمل حتى يعيش ويعيل أسرته.
لماذا لم يُكتب تاريخ الموسيقي السوداني كما ينبغي؟
هناك جهود مهمة بذلت في توثيق الموسيقى السودانية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من العمل خاصة في توثيق سير الموسيقيين والعازفين. أذكر باحترام التجارب الإذاعية التي قدمتها إذاعة (FM100) والتي خصصت برامج لتوثيق مسيرة عدد من كبار الموسيقيين مثل محمدية، وعبد الله عربي، وأسامة بيكلو، وعبد الله ميكو وغيرهم. ولو لم تتوقف هذه الجهود بسبب الحرب لكانت أضافت الكثير إلى الذاكرة الموسيقية السودانية. نحن بحاجة إلى مشروع أوسع لجمع سير هؤلاء الرواد وتوثيق أعمالهم، لأن الموسيقيين الذين صنعوا جمال الأغنية السودانية جزء أساسي من تاریخها، وليسوا مجرد أسماء خلف المطربين.
بعد هذه الرحلة الطويلة، كيف تحب أن تتذكر الأجيال تجربة أمير كمال ؟
عن نفسي، لا أطمح إلى أكثر من أن أذكر بالخير. أتمنى أن يقال إنني حاولت أن أقدم شيئا نافعًا لوطني، وأن أترك أثرًا طيبًا في الموسيقى السودانية، وأن أكون قد أسهمت ولو بقدر بسيط في إسعاد الناس وخدمة مجتمعي. الموسيقى ليست مجرد فن بل هي اللغة التي تعبر بها الشعوب عن ثقافتها وهويتها. وإذا قرأ أحد هذا الحوار بعد خمسين عامًا، أتمنى أن يجد فيه تجربة إنسان اجتهد في خدمة فنه ووطنه بإخلاص، وأن يذكره بخير.




