لا للحرب!!

أشرف عبد العزيز 

تتجلى قسوة النزاعات المسلحة في كونها لا تدمر البنية التحتية والممتلكات فحسب، بل تُخفي تحت ظلال المدافع حربًا أخرى أشد ضراوة وأوسع نطاقًا، وهي حرب الأوبئة والأمراض التي تتغذى على انهيار المنظومات الصحية وتردي البيئة المعيشية.

وينكشف البعد الوبائي للحرب في السودان كمرآة تعكس أزمة إنسانية مركبة؛ حيث تحولت خريطة الاشتباكات العسكرية إلى خريطة لتفشي الأمراض الناقلة والمعدية، بدءًا من تسجيل حالات إصابة بالكوليرا في مستشفى الأبيض، واتساع رقعة تفشيها المأساوي في المزروب ونيالا والدمازين، مرورًا بظواهر صحية نادرة الاقتران بالأزمات، مثل الارتفاع الملحوظ في حالات الزائدة الدودية العاجلة في الخرطوم جراء الضغوط النفسية وتأخر الرعاية الطبية، وصولًا إلى الانتشار الكثيف لحمى الضنك في ولاية نهر النيل والملاريا في ولاية الجزيرة.

يتجاوز الانهيار الصحي الحدود الجغرافية للقتال المباشر ليصل إلى مناطق النزوح واللجوء الداخلي، وهو ما يتجسد بوضوح في إقليم النيل الأزرق.

وتعكس تحذيرات لجان مقاومة الدمازين عمق الفاجعة الصحية مع التسارع المخيف لانتشار حمى الضنك، التي تجاوزت إصاباتها آلاف الحالات وحصدت عشرات الأرواح في مداها الزمني القصير، لتمد أذرعها إلى الروصيرص والأحياء المجاورة.

إن هذا التفشي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو نتاج مباشر لضعف التدخلات الطبية الطارئة وتكدس المستشفيات العاجزة، مع ارتفاع تكاليف التشخيص والعلاج التي أثقلت كاهل الأسر في ظل ضائقة معيشية خنقها الصراع، مما يتطلب استجابة فورية تشمل إعلان الطوارئ الصحية، وتوفير الرعاية المجانية، وتكثيف حملات الإصحاح البيئي.

ولا تتوقف هذه المأساة الوبائية عند الحدود الإقليمية للنيل الأزرق، بل تمتد لتلقي بظلالها على إقليم دارفور، وتحديدًا في مناطق جبل مرة.

وتطلق الاستغاثات العاجلة من غرف طوارئ قولو جرس إنذار داويًا حول خطر تفشي الحصبة بين الأطفال والشرائح الأكثر هشاشة، وهو المرض الذي يمكن الوقاية منه في الظروف الطبيعية، لكنه يتحول في أوقات الحروب إلى قاتل صامت نتيجة انعدام اللقاحات وتدهور البنية التحتية الصحية.

إن خروج الفرق الطبية والمنظمات الدولية عن الخدمة، أو صعوبة وصولها، يهدد بكارثة إنسانية تعصف بأجيال كاملة، مما يحتم وجود تدخل ميداني عاجل للتقصي الوبائي وتسيير حملات التطعيم الطارئة.

إن المقاربة الوبائية للواقع السوداني الحالي تؤكد أن المرض والحرب يغذيان بعضهما البعض في حلقة مفرغة؛ فالحرب تسحق الأنظمة الصحية، وتمنع وصول الإمدادات، وتلوث البيئة، والأوبئة تفتك بالسكان المحاصرين، وتزيد من أعباء البقاء على قيد الحياة.

وبالرغم من كل هذا النزيف الصحي والإنساني، والتحذيرات المتتالية من الانهيار الشامل، ما زالت المعارك مستمرة، لتبقى أجساد المدنيين وأطفالهم هي الميدان الحقيقي لهذه التكلفة الباهظة.

Exit mobile version