استغرب كيف استطاع رجلٌ في عام 1605 أن يكتب رواية لا تزال تبدو حديثة بعد أكثر من أربعة قرون؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على كل من يقرأ دون كيخوته.
فبعد انصرام الصفحات الأولى، يكاد القارئ ينسى أن هذا العمل كُتب في مطلع القرن السابع عشر؛ إذ تبدو الرواية، في رؤيتها للإنسان، وفي بنائها للشخصيات، وفي طريقتها المبتكرة في السرد، أقرب إلى أعمال العصر الحديث منها إلى أدب زمنها.
وسر هذه الدهشة أن ثيربانتس لم يكتب عن عصره وحده، بل نفذ إلى طبقات أعمق من التجربة الإنسانية، إلى صراع الحلم والواقع، ووهم الإنسان عن نفسه، ورغبته في إعادة تشكيل العالم وفق ما يؤمن به؛ لذلك لم تكن حداثة دون كيخوته حداثة شكلية فقط، بل نابعة من فهم عميق لطبيعة الإنسان.
ولهذا بقيت هذه الرواية الكلاسيكية العظيمة حية بعد أكثر من أربعة قرون؛ فهي لا تنتمي إلى زمنها الأول، بل إلى كل زمن يجد الإنسان فيه نفسه بين ما يتخيله وما يراه، وبين العالم كما هو والعالم كما يتمنى أن يكون.