مقالات

هجرة المغاربة الكبرى 

عبد الجليل سليمان

تحولت مدينة سبتة الإسبانية الصغيرة الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب إلى مركز لأكبر موجة عبور غير نظامي تشهدها في تاريخها الحديث، بعدما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من المغرب نحو الحدود خلال فترة زمنية قصيرة، متجاوزين السياج الحدودي أو محاولين الوصول إلى المدينة سباحة عبر البحر، في مشهد أربك السلطات الإسبانية ودفع مدريد إلى نشر وحدات عسكرية لتعزيز السيطرة الأمنية.

وقالت السلطات الإسبانية إن أكثر من 50 ألف شخص تمكنوا من دخول سبتة خلال أقل من يوم، فيما قدّر رئيس حكومة المدينة العدد بنحو 60 ألفًا، وهو رقم يعادل قرابة 70% من سكان الجيب الإسباني الواقع في شمال إفريقيا. وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 37,500 مهاجر عادوا إلى المغرب، بينما تتواصل عمليات إعادة الآخرين بالتنسيق مع السلطات المغربية.

وبحسب آخر حصيلة نقلتها وكالة رويترز (Reuters)، ارتفع عدد الضحايا إلى 57 شخصًا، قضى معظمهم غرقًا أثناء محاولات العبور أو نتيجة التدافع عند نقاط الحدود، فيما واصلت فرق الإنقاذ والإسعاف عمليات البحث ونقل المصابين على جانبي الحدود.

وزار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مدينة سبتة، ووصف ما حدث بأنه “انتهاك للسلامة الإقليمية الإسبانية”، محملًا شبكات تهريب البشر مسؤولية استغلال معلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة شائعات تحدثت عن تسهيلات قانونية تسمح للمهاجرين بالبقاء في إسبانيا أو الانتقال إلى بقية أوروبا.

وأوضحت الحكومة الإسبانية أن جزءًا كبيرًا من العائدين غادروا المدينة طوعًا بعد ساعات من وصولهم، بينما باشرت قوات الشرطة والحرس المدني إجراءات إعادة بقية المهاجرين وفق الترتيبات المتفق عليها مع السلطات المغربية.

وأعادت الأزمة ملف الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي الأوروبي، إذ أعلنت دول أوروبية تشديد إجراءات الرقابة على الحدود، وسط دعوات من تيارات سياسية مختلفة إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتسريع إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين. كما أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالتنسيق بين مدريد والرباط في التعامل مع الأزمة.

ويرتبط جانب من الجدل السياسي حول الأزمة بإشاعات انتشرت بشأن حكم قضائي إسباني حديث يتعلق بإجراءات إعادة بعض المهاجرين، إذ قالت السلطات الإسبانية إن شبكات التهريب استغلت هذا الأمر لإقناع آلاف الأشخاص بأن عبور الحدود سيضمن لهم البقاء داخل الأراضي الأوروبية، بينما رفضت الحكومة هذا التفسير واعتبرته تضليلًا.

ولم تصدر وزارة الداخلية المغربية، حتى وقت إعداد هذا التقرير، حصيلة رسمية مستقلة لعدد العائدين أو الضحايا، في وقت تواصل فيه السلطات المغربية والإسبانية التنسيق الميداني لإدارة عمليات العودة واحتواء تداعيات أكبر أزمة عبور تشهدها سبتة منذ عقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع