منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل عام 2023، شهدت الولايات السودانية البعيدة من المواجهات العسكرية تصاعداً ملحوظاً في ارتفاع معدلات الجريمة من قتل ونهب وسرقات واحتيال ونصب حتى عبر الوسائط الرقمية، تزامناً مع موجات النزوح وانتشار السلاح والمخدرات والبطالة والفقر، إلى جانب هرب كبار المجرمين من السجون والاحتماء بهذه الولايات، مما أدى إلى انتقال تداعيات الصراع إلى مجتمعات لم تشهد محاورها معارك مباشرة.
هذا التصاعد اللافت في الجريمة دفع أقسام الشرطة إلى تنفيذ حملات مكثفة وتوقيف متهمين في قضايا القتل وتهريب السلاح والمخدرات، مما يعكس حجم التحديات الأمنية التي أفرزها النزاع.
وبحسب مراقبين أمنيين، فإن تصاعد معدلات الجريمة هو انعكاس للضغوط التي تواجهها المؤسسات العدلية وإنفاذ القانون وتحديات ماثلة في مرحلة ما بعد الحرب في ظل بيئة أمنية معقدة رمت بظلالها السلبية على المجتمعات السودانية وأعادت إنتاج وتشكيل الجريمة.
عوامل مؤثرة
في السياق قال المتخصص الأمني المتقاعد الزبير عبدالواحد إنه “في سياق الحرب الدائرة في البلاد لم تكتف بتفكيك البنية التحتية وحسب، بل شهدت معدلات متصاعدة في الجريمة، وظهور أنماط جديدة في القتل بهدف السرقة، والاحتيال والنصب بسبب عوامل مؤثرة أبرزها تفشي البطالة والفقر، علاوة على انتشار السلاح وتعاطي المخدرات، لا سيما أن السلطات في حال ضبطيات مستمرة من خلال الحملات التي تنفذها تشمل الأسلحة النارية وأصنافاً من المخدرات”.
وأضاف أن “الحرب فتحت الباب على مصراعيه أمام شبكات تهريب إقليمية ودولية عبر الحدود المفتوحة مع دول الجوار في ظل فراغ أمني عريض، مما جعل السودان بؤرة لمكونات وجدت بيئة مثالية للجريمة المنظمة”.
وتابع عبدالواحد “تجارة المخدرات أدت دوراً أساساً في انتشار الجريمة، إذ لم تعد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى نشاط منظم وجدت طريقها للأسواق السودانية استهدفت عقول الشباب، ومن ثم أصبحت الجريمة ترتكب بلا وعي والقتل بدم بارد بهدف السرقة، والأخطر في الأمر أن آلاف السجناء من بينهم كبار المجرمين فروا من السجون منذ بداية الحرب ليعودوا إلى المشهد أكثر خطورة مع الإفلات من العقاب بسبب عدم الرقابة والمسألة القانونية”.
وزاد في القول “في تقديري أن تداعيات الحرب، بخاصة النزوح الذي أدى إلى تراجع الأوضاع المعيشية أسهم بصورة مباشرة في إنتاج بعض الجرائم خصوصاً جريمة القتل نتيجة فقدان السيطرة على السلوك وارتفاع معدلات العنف، فضلاً عن توقيف متهمين ينتحلون صفة القوات النظامية، وهو ما يعكس تغيراً في طبيعة الجرائم”.
ولفت المتخصص المتقاعد إلى أن “الأجهزة الأمنية تبذل جهوداً كبيرة في مكافحة الجريمة وملاحقة المتفلتين، مما يتيح قدراً من الاستقرار النفسي وسط سكان الولايات، مع استمرار الحاجة إلى تشديد الرقابة ومكافحة انتشار المخدرات والسلاح باعتبارهما أحد أخطر دوافع الجريمة”.
سلوك عدواني
الحرب التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام لم تقف عند تفكيك البنية التحتية فحسب، بل أسهمت في خلق آثار نفسية عميقة وغيرت سلوك بعض الأشخاص ورفعت وتيرة العنف داخل المجتمعات.
في المنحى ذاته، أوضحت المتخصصة في الصحة النفسية ابتسام محمود أن “الحرب التي لا تزال دائرة في السودان تعتبر أحد أقوى الأسباب في إفراز السلوك العدواني، إذ كشفت عن أسوأ ما في الأفراد، وخلفت اضطرابات نفسية قد تستمر أعواماً طويلة حتى بعد وقف الحرب، وتحتاج إلى علاج ودعم نفسي عاجل حتى لا تتفاقم وتصبح حالاً مرضية تصعب السيطرة عليها”.
وأشارت محمود إلى أن “الاضطرابات النفسية تنشأ عادة بفعل عوامل بيئية أو وراثية، إلا أن الاضطرابات التي أفرزتها الحرب تعد من أهم المحفزات التي تفجر كوامن الفرد بسبب الضغوط المتزايدة”.
ولفتت المتخصصة في الصحة النفسية إلى أن “السودانيين عاشوا تجارب صادمة، مما أدى إلى الميول للعنف الذي تنامى وسط المجتمعات خلال الفترة الأخيرة سواء بسبب اضطرابات نفسية أو تعاطي المخدرات أو حال العوز الشديد نتيجة الفقر بوصفه أحد الآثار المباشرة للصراع، علاوة على التعود على مشاهد القتل والانتهاكات، وتسببهما في تطبيع العنف والجريمة، وفي ظل هذا الواقع أصبحت ردود الفعل في المواقف اليومية إثر خلافات بسيطة تقود إلى القتل، وهذه لا يمكن فصلها عن الآثار النفسية التي تركتها الحرب”.
إعادة تأهيل
من جهتها، رأت الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف أن “تداعيات الحرب لم تقتصر على الآثار النفسية والأمنية فحسب، وإنما امتدت إلى تمزيق البنية الاجتماعية وإحداث واقع اجتماعي ضعيف أسهم في تهيئة بيئة أكثر تعقيداً أمام انتشار الجريمة”.
وأوضحت يوسف أن “استقرار البلاد لا يقف عند نجاح الحكومة في عودة المواطنين عبر العودة الطوعية، بل يتطلب تخطيطاً اجتماعياً واقتصادياً يضمن توفير الخدمات الأساسية وسبل الكسب المشروع لتخفيف حدة البطالة والفقر، إذ تؤديان دوراً أساساً في تفكيك الأسر، ومن ثم إفراز ممارسات تعد غريبة على المجتمع وسعت مفهوم الجريمة، ولكي لا تتفاقم هذه الظواهر فإن الأمر يحتاج إلى إعادة تأهيل نفسي واجتماعي”.
ومضت قائلة “الجريمة موجودة قبل اندلاع الحرب، إلا أنها تصاعدت أثناء الحرب في ظل غياب المحاسبة القانونية، مما أدى إلى زيادة جرائم القتل والسرقات والاحتيال والنصب، إضافة إلى جرائم عبر الوسائط الرقمية يتبع فيها الابتزاز والتهديد”.
ونبهت الاختصاصية الاجتماعية من أن “الولايات التي وصفت بأنها آمنة لم تكن بمنأى عن هذه التداعيات، إذ انتقلت إليها آثار الحرب عبر تدفقات النازحين، وما صاحبها من ضغوط على الخدمات زادت من معدلات الفقر، وكان هناك رصد للجريمة في معسكرات الإيواء والقتل لأقل الأسباب، وكذلك امتدت للمنازل التي استأجرها بعض النازحين لإقامتهم الآمنة، لكن القتل طاولهم بهدف السرقة”.
حزمة تدابير
على صعيد متصل قالت أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية في “الجامعات السودانية” مواهب عبدالفضيل إن “الحرب المستمرة أفرزت أزمة اقتصادية حادة كانت أحد محركات تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وأسهمت بدورها في تفش واسع للجريمة في ظل ما خلفه النزاع من تراجع النشاط الاقتصادي مع فقدان مصادر الدخل”.
وأضافت عبدالفضيل “معدلات البطالة وتضييق فرص العمل أديا إلى اتساع رقعة الفقر، مما دفع بعض الأفراد إلى البحث عن سبل تتنافى مع القانون لتأمين حاجاتهم الأساسية، ومن ثم انعكست هذه الدوافع في زيادة حجم الجرائم والاعتداءات التي وصلت إلى القتل من أجل الحصول على المال والطعام”.
وتابعت “من المعلوم أن الولايات استضافت أعداداً هائلة من النازحين أثرت بصورة مباشرة في الخدمات وسوق العمل وتسببت في انكماش حاد في الإنتاج، وهو ما خلق بيئة اقتصادية واجتماعية هشة ساعدت على نمو الجريمة”.
وأشارت إلى أن “تراجع الدخول وارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية والفجوة الكبيرة بين حاجات المواطنين وإمكاناتهم كانت مؤشراً إلى عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي”.
وشددت أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية في ختام حديثها قائلة “لا بد من مواجهة الجريمة، إذ ينبغي إيجاد حزمة من التدابير السياسية والاقتصادية تشمل خلق فرص عمل بدعم المشاريع الصغيرة لتحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب التوسع في حماية المدنيين للحد من انتشار الجريمة وتعزيز الاستقرار في البلاد”.