سراب العودة إلى الجحيم!!

أشرف عبد العزيز 

يقف المتابع للشأن السوداني اليوم أمام مأساة يتداخل فيها العجز الحكومي بالزييف الإعلامي، حيث تجسد دعوات عودة الحكومة والمواطنين إلى العاصمة الخرطوم أكبر عملية تضليل سياسي وأخلاقي، فالواقع يؤكد أن نقل العاصمة لم يكن سوى شعار برّاق عجزت سلطة الأمر الواقع عن ترجمته إلى حقائق ملموسة، وسط حالة من الاسترخاء الفاضح لحكومة الدكتور كامل إدريس التي تجد في الهروب إلى الأمام واستثمار رغبة العسكريين للعودة فرصة سانحة لإثبات شرعية مفقودة وتأكيد أنها حكومة الخرطوم لا بورتسودان، وذلك دون إبداء أي رغبة جادة في بذل الجهد العملي أو تحمل المسؤولية الإدارية والخدمية.

تتبدى الصدمة الأولى للمواطنين العائدين من رحلات النزوح الشاقة واللجوء المجهد في التباين الصارخ بين ما تبثه الآلة الإعلامية الداعمة للاستمرار في الحرب وبين ما يجري في الأزقة والأحياء، فالتقاط الصور التذكارية للمسؤولين في المساحات الضيقة، واستعراض شرب العصائر أو تجرع مياه النيل غير المعالجة أمام العدسات، لم يحقق سوى تغبيش الواقع وتزييف الوعي.

وحتى تلك المحاولات التي بذلتها لجنة الفريق إبراهيم جابر لترميم ما دمرته الحرب، ذهبت أدراج الرياح وسقطت في فخ تضارب الاختصاصات وغياب الرؤية المتكاملة، ليضيع الأمل سدى في بناء عاصمة قابلة للحياة، وتتحول الخرطوم إلى سجن كبير يلفه الظلام الدامس وتنعدم فيه الأساسيات من مياه وكهرباء، مع تفشي الأمراض وحمى الملاريا التي تلتهم أجساد الأطفال دون مراكز علاجية أو رعاية صحية مقبولة.

وعلى الصعيد الأمني، تعيش المدينة حالة عارمة من الفوضى الضاربة والتفلت المسلح، إذ لم تعد المخاطر مجرد أنباء تتردد، بل أضحت مشاهد توثقها الكاميرات بمرارة، كما ظهر مؤخراً في مقطع الفيديو الفاضح بمدينة الثورة الذي وثق نهب شاب أعزل تحت تهديد السلاح في وضح النهار، ناهيك عن فاجعة قتل طبيب داخل العاصمة، وتزايد انتهاكات ممارسات الحركات المسلحة التي أضحت شريكاً في رسم المشهد الأمني المنفلت، إلى جانب انتصار شبكات وعصابات النهب المنظم التي استباحت منازل المواطنين العائدين لتتركها مجرد جدران خاوية، كل ذلك يحدث في ظل عجز أمني تام وصمت مريب من السلطة النافذة.

ولا تتوقف معاناة السكان عند حد الخوف والفوضى، بل تمتد لتخنق أجسادهم وعقولهم عبر غول الغلاء المعيشي والتدهور المريع للجنيه السوداني، مما جعل السلع الأساسية مجرد معروضات للرؤية لا للشراء، وحول أبسط أنواع الأطعمة كاللحوم إلى أحلام بعيدة المنال حتى لأصحاب الوظائف الحكومية المرموقة الذين لا تكفي أجورهم لسد رمق أيام معدودات.

يضاف إلى هذا العبء الخلل الفاضح والمضطرب في تعريفة المواصلات التي باتت تُحدد وفق أهواء السائقين ودون أي رقابة حكومية، مما ضاعف كلفة التنقل وجعل الحركة داخل العاصمة قطعة من العذاب، ليتأكد للجميع أن العودة لم تكن سوى استجابة لخدعة إعلامية دبرتها سلطة عاجزة تسعى لتجميل وجهها القبيح على حساب معاناة مواطنين استجيروا من رمضاء اللجوء بنار الوطن الجريح.

Exit mobile version