يا أهل السودان: إذا عرفتم فالزموا؟!

الجميل الفاضل

نحن في زمنٍ كثرت فيه العيون، وقلّت فيه البصائر.

إذ ليس أخطر ما يعيشه الإنسان في هذا الزمان أن تضيع منه الأخبار، بل أن تضيع منه البصيرة التي تكشف ما وراء هذه الأخبار.

فالأخبار تتكاثر حتى تضيق بها الشاشات، والمعلومات تتدفق حتى تغرق فيها العقول، غير أن نور القلب ينحسر كلما ظنّ الإنسان أن المعرفة هي ما تلتقطه العين، وما تحفظه الذاكرة، وما تحصيه الخوارزميات.

لقد صار عصرنا أكثر الأزمنة ازدحاماً بالضوء، وأشدها ظلمةً في الوقت نفسه.

إنه ضوءٌ يملأ الأبصار، وظلمةٌ تطمس البصائر.

كأن البشرية كلها تقف الآن على ساحل بحرٍ هائج من الصور، بعد أن نسيت النبع الذي كانت الأرواح تشرب منه قبل أن تعرف مثل هذه الشواطئ، وقبل أن تفتتن بسحر المرايا.

وللحقيقة كلما أثقل الإنسان روحه بأعباء المادة، خفّت صلته تلقائياً بعوالم الروح، فيرى الأشياء ولا يرى حقائقها، ويسمع الأصوات ولا يسمع النداء الذي يأتي من ورائها.

فقد كان الأولون إذا التبست عليهم الطرق، لم يطلبوا مزيداً من المصابيح، بل طلبوا مزيداً من الأنوار.

وكانوا إذا ازدحمت عليهم الأسباب، رجعوا إلى مسبّبها الأوحد.

يعرفون أن الطريق إلى السماء لا يبدأ من النجوم، وإنما يبدأ من القلب.

وأن بين الأرض والملكوت باباً لا يُفتح بالمفاتيح، وإنما يفتحه الصدق والتقوى وصفاء النية والسريرة.

لهذا كانت أرواحهم أخف من أجسادهم، وأوسع من الأزمنة التي عاشوا فيها.

أما نحن، فقد جعلنا العالم الموازي مشروعاً للفيزياء، وبحثنا عنه في مختبرات التكنولوجيا، بينما العالم الذي يحيط بنا منذ بدء الخليقة أقرب إلينا من أنفاسنا.

إنه عالم الغيب، عالم الملكوت.

ذلك العالم الذي لا تحجبه المسافات، إنما تحجبه عنا غفلتنا وذنوبنا.

ولا تغلق أبوابه المادة، إنما يغلقها ركام النفس وما ران على القلوب.

ولهذا لم يكن النبي ﷺ يدعو إلى فتح عينٍ ثالثة، ولا إلى طاقاتٍ غامضة، وإنما كشف سر الإدراك كله في كلمات قليلة:

«اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله».

إنه النور لا المهارة، والتجلي لا التقنية، والقلب لا الآلة.

ولذلك لم تكن كرامات الصالحين خروجاً على قوانين الكون، إنما كانت عودةً إلى قانون أعلى وأجل.

هناك وقف حارثة رضي الله عنه حتى انكشفت له حقائق الآخرة كأنها رأي عين، فقال له النبي ﷺ:

«عبدٌ نور الله قلبه، عرفت فالزم».

يا لها من كلمة! كأن المعرفة ليست نهاية الطريق، وإنما هي بدايته.

وكأن أخطر ما يواجه العارف أن يعرف ثم يبرح مقامه.

فعلى منبر المدينة همس عمر رضي الله عنه:

«يا سارية، الجبل!».

كلمة خرقت جدران المكان، لأن الأرواح إذا اتصلت بخالقها إنكمشت أمامها المسافات، وضاقت بينها حدود الأرض والجغرافيا.

وفي رؤيا التمرتين بين عمر وعلي رضي الله عنهما، لم تكن الحكاية قراءة حلم، إنما كانت قراءة قلبٍ قبل أن ينطق اللسان.

هكذا كانت الأرواح؛ إذا صفت مرآتها انعكست عليها مباشرة أنوار الحقيقة.

أما اليوم، فمشكلتنا ليست في نقص المعلومات، لكن في وفرة المعلومات مع فقر البصيرة.

لقد امتلأت الرؤوس وفرغت القلوب، وصار الإنسان يعرف كل شيء إلا نفسه، ويفسر كل شيء إلا سنن الكون.

ولهذا اختلطت علينا المقاصد؛ فصرنا نقرأ الأحداث ولا نقرأ حكمتها، ونرى الوقائع ولا نرى مآلاتها.

ولهذه العلة قال الحق سبحانه:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

إنها الآية التي تختصر مأساة هذا العصر كلها.

لقد ظن الإنسان أن الفراسة برنامجٌ يُتعلَّم، وأن الحكمة مهارةٌ تُدرَّب، وأن البصيرة تقنيةٌ تُقتنى.

وما علم أن هذه كلها ثمارٌ لشجرة واحدة: جذرها التقوى، وساقها الصدق، وأغصانها المجاهدة، وثمرتها نورٌ يقذفه الله في القلب.

ذلك النور الذي كان يقرأ به الشافعي ملامح النفوس، ويستشرف به ابن تيمية مآلات الوقائع، ويهتدي به الصالحون في متاهات الفتن.

فإذا أردتم النجاة يا أهل السودان من هذا الطوفان، فلا تفروا من العالم، لكن طهّروا قلوبكم التي تنظرون بها إلى أنفسكم وإلى أعدائكم؛ فإن لأنفسكم عليكم حقاً، ولأعدائكم كذلك، عليكم حق لابد منه.

ثم لا تبحثوا عن نافذةٍ أخرى على هذا الكون، لكن افتحوا النافذة التي بينكم وبين الله.

فإذا صفت السرائر انقشعت الغشاوات، وإذا خلصت النيات استقامت الرؤية.

وحينئذٍ فقط يرى الإنسان الحقيقة قبل أن تلبس ثياب الحوادث،

ويقرأ السنن قبل أن تتحول إلى وقائع، ويعلم أن الزمن ليس إلا موجةً عابرة، أما الحق فبحرٌ لا يزول.

بل لعل الإنسانية كلها لا تحتاج اليوم إلى مزيدٍ من الشاشات، لكنها تحتاج إلى نافذةٍ واحدة تُفتح في هذا القلب.

وحينها قد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الذكاء الاصطناعي وغير الاصطناعي، إنما تحتاج إلى قبس من نور الحق.

فمثل هذا النور وحده هو الذي يردّ الأشياء إلى أسمائها، والإنسان إلى فطرته، والقلب إلى ربه.

وبالطبع من عرف هذا الطريق ثم تركه، كان جهله بعد المعرفة أشد من جهله قبلها.

ولهذا بقي النداء النبوي يتردد عبر القرون، لا يشيخ ولا يخبو، كأنه يخاطب هذا العصر أكثر مما خاطب العصور التي سلفت:

«عرفت.. فالزم».

فيا أيها السائرون المستغرقون في ليل هذه الفتن: إذا عرفتم، فالزموا، وكفي.

Exit mobile version