أنا لست مُقلًا، أنا قاتل.. أقتل 99 قصيدة حتى أسمح لواحدة أن تعيش
أكتب لمواجهة الحياة وإعلاء قيمة الإنسان بداخلنا.. هذه هي مهنتي الحقيقية
الدوحة – مشاوير : حاوره: مجدي علي
هادئ الصوت، أنيق الحضور، عميق العبارة، لكنّه في نصوصه يترك للشعر أن “يرتكب” ما يشاء: يصرخ، يسخر، يهذي، ويقول ما لا تجرؤ الحياة اليومية على قوله. هذا التناقض بين هدوء الرجل وجموح نصّه هو ما يجعل الجلوس معه إلى حوار تجربة نادرة؛ فكل سؤال يفتح على إجابة لا تشبه سابقتها، وكل عبارة تخرج من فمه تبدو وكأنها كُتبت لتكون عنوانًا قائمًا بذاته، لا مجرّد ردٍّ على سؤال. هذا من ذلك النوع النادر من الحوارات التي تُقرأ بمتعة لا تقل عن متعة قصيدة؛ إذ يصعب أن تخرج منه بإجابة واحدة تلخّصه، فكل إجابة فيه تصلح أن تكون مانشيتًا مستقلًا.
ينتمي يوسف الحبّوب إلى حقبة بارزة في مسار الشعر السوداني الحديث، برز صوته ضمن شعراء قصيدة النثر التي اتسع حضورها في تسعينيات القرن الماضي، حين راهن على لغة حرّة وتجربة تنحو نحو التجريب والتأمل، بعيدًا عن بنى العمود والتفعيلة المعتادة. ولا يزال يحمل تمرّده الأول، جاعلًا القصيدة فضاءً للسؤال لا مساحة يقين، ورؤية فلسفية تعكس موقف الشاعر من الحياة، لا مجرد تحرّر شكلي.
وُلد الحبّوب في أم درمان عام 1959، ودرس الحقوق، واشتغل بالمحاماة التي عرفته ساحات القضاء في مسقط عشرين عامًا. أصدر على مدى عقد تقريبًا ثلاث مجموعات شعرية معروفة: (محاولة لتسلّق ظل الوردة) (2016)، و(فزّاعة تلوّح في ظهيرة يوم بطيء) (2024)، وأخيرًا (35 ملم) التي استعار فيها أدوات المخرج السينمائي ليكتب بها ما تعجز عنه الكتابة المباشرة.
وبين هذه الإصدارات، وقف صمت طويل وتناقضات لم تُفسَّر بعد: كيف يكون “شاعرًا مُقلًا” من يكتب مئات الأفكار يوميًا؟
تُرجمت نصوصه إلى الفرنسية والإسبانية ووصلت مهرجانات باريس والمكسيك، بينما ظلّ حضوره السوداني أضيق من حجم تجربته. ورغم هذا الانفتاح العالمي، لا يكفّ عن الحديث عن أم درمان بوصفها “جرحًا مفتوحًا”، حتى وهو يكتب “ضد الحنين”.
في هذا الحوار، نسعى إلى مواجهة يوسف الحبّوب في مفارقاته: بين لغة القانون ولغة الشعر، بين الزهد المعلن والغزارة الخفية، بين احتجاجه على الآلة واستعارته لأدواتها. تسعة عشر سؤالًا تحاول أن تقرأ التجربة كما هي، وأن تفتح على الراهن السوداني وأثر الحرب على من لا يزال يكتب عن وردة..
1-الشعر عندك “لعنة وُلدت في دمك”، وأنت محامٍ يعيش يوميًا في لغة اليقين والأدلة. كيف تصنع المسافة بين اللغتين؟
المسافة هي حياتي كلها.
المحاماة تسأل: “أين الدليل؟ من الشاهد؟ ما النص القانوني؟”. والشعر يسأل: “أين الله في كل هذا؟ من الذي سيشهد على الشاهد؟ وما النص الذي كسر القانون؟”. أدخل المحكمة ببدلة وأخرج منها بجرح. أكتب المذكرة بالحبر، وأكتب القصيدة بالدم الذي تبقّى على يدي بعد توقيع المذكّرة. القانون يريد أن يغلق الملف. والشعر يصر أن يبقي الملف مفتوحًا إلى الأبد. لولا المحاماة لكنت مُتُّ جوعًا. ولولا الشعر لكنت مُتُّ اختناقًا. هما رئتاي. واحدة للهواء، والثانية للدخان.
2- تصف نفسك بـ”الشاعر المُقل”، ويصفك صديقك أمجد محمد سعيد بأنك تنتظر القصيدة “وقد تأتيك ولا تجدك في البيت”. أين يذهب هذا الفائض، وهل هذه صورة رومانسية مريحة أكثر من كونها تفسيرًا دقيقًا؟
الفائض لا يذهب إلى أي مكان. يتحلّل داخلي. أنا أكتب كل يوم. أكتب على واجهات المحكمة، في هامش الجرائد، على علب الدواء. أكتب مئات الجمل. لكن القصيدة عندي ليست جملة. القصيدة هي الجملة التي ترفض أن تُقال مرتين.
أنا لست مُقلًا، أنا قاتل. أقتل 99 قصيدة حتى أسمح لواحدة أن تعيش. وصورة أمجد دقيقة ومؤلمة. القصيدة امرأة عنيدة. تأتي في منتصف الليل، تطرق، فإذا لم تفتح لها الباب باكيًا، تمضي ولا تعود. ليست رومانسية. هي قسوة. قسوة الشاعر على نفسه.
3- ذكرت أن لك أربع مجموعات شعرية أولها (مقاطع من أغنية لم تكتمل)، بينما تُعرّفك كل السير الأخرى بثلاث فقط، ولا يُذكر هذا الديوان في أي مصدر سواه. ما حقيقة هذا الديوان، ولماذا غاب عن سيرتك المعتمدة؟
(مقاطع من أغنية لم تكتمل) ليست ديوانًا. هي جريمة شباب. كانت تجربة يافعة في الإسكندرية، أيام الدراسة. قصيدة طويلة واحدة، كتبتها وأنا في العشرين، وأنا أظن أن العالم سينتهي غدًا فلا بد أن أقول كل شيء اليوم. طبعها (تجمّع عزة الثقافي) على آلة الرونيو، في مطوية. 50 نسخة، خط يد، حبر يسيل… وزّعناها في الجامعة، وضاع الباقي في سكن الطلبة. سقطت من الذاكرة عن قصد؛ لأنني خجلت منها لاحقًا. شعر فجّ، مباشر، بلا ظل. لكنها عادت الآن. عادت مصداقًا لمسيرة الكتابة؛ لأنني فهمت أن أي شاعر يخجل من بداياته هو شاعر كاذب. هي ليست في سيرتي الرسمية لأنها ليست كتابًا. هي ندبة. وأنا لا أعرض ندباتي في معرض.
4- ثماني سنوات صمت فصلت بين ديوانك الأول والثاني. لو حدث هذا لشاعر أقلّ شهرة، أما كان سيُوصف بأنه توقّف عن الكتابة، لا بأنه “تعامل مزاجي راقٍ مع القصيدة”؟
نعم. كانوا سيقولون “انتهى”.
لكنني لم أتوقّف. كنت أحفر. الثماني سنوات هذه كانت حربًا بيني وبين اللغة. كنت أكتب قصيدة، فأكتشف أن كل كلماتها مستعملة من قبل. فأمزّقها. كنت أتعلّم “فن الحذف”. أتعلّم كيف أُسكت السطر الذي يصرخ بلا داعٍ.
الشهرة لا تمنحك الحق في الصمت. الفقر هو الذي منحه لي. فقر الكلمات. “التعامل المزاجي الراقي” هذا اختراع النقاد. أنا كنت خائفًا. خائفًا أن أصبح نسخة من نفسي. لا أريد أن أكون شاعرًا مثيرًا للجدل. أريد أن أكون شاعرًا يُثير الشعر.
5- ثلاثون عامًا مرّت على رهان جيل التسعينيات الذي انتميت إليه على تفكيك البلاغة التقليدية. هل تطوّرت نصوصكم اليوم فعلًا، أم خسرتم الرهان وما زلتم تشتغلون بالأدوات نفسها؟
الرهان لم يخسر. هو فقط اتسخ. نحن في التسعينيات كنّا نحلم بتفكيك القصيدة. نجحنا. لكننا لم نتوقّع أن يفكّك الواقع القصيدة أسرع منّا. نصوصنا اليوم أقل “شاعرية” وأكثر جرحًا. صرنا نكتب كما يتكلّم النازح: بجمل مكسورة، بلا بلاغة. هل خسرنا؟ ربما. خسرنا القارئ الذي يحب “الموسيقى”. لكننا كسبنا القارئ الذي يبحث عن “الشهادة”. الأدوات نفسها؟ لا. الأداة الوحيدة الآن هي الخراب. ونحن نكتب به.
6- تتكرّر رموزك: “الظل، الفزّاعة، الفراغ، الانتظار” منذ عقد كامل عبر ثلاثة دواوين. أهو تعمّق متصاعد في الفكرة، أم ضيق في المعجم الشعري؟
تعمّق حتى النزيف.
الظل في 2016 كان ظل امرأة. في 2024 صار ظل وطن. وفي (35 ملم) صار ظل عدسة على جثّة. أنا لا أملك معجمًا واسعًا. أملك جرحًا واحدًا وأعيد تشريحه في كل كتابة. نص يلهث. لو غيّرت الرموز لخنت نفسي. الشاعر الصادق هو الذي يظل يحفر في بئر واحدة حتى يخرج الماء أو يموت عطشًا.
7- من “الوردة” إلى “الفزّاعة” إلى “العدسة”، مسار يتدرّج من الرمز الحسي الهش، إلى السخرية من الذات، إلى الأداة الباردة المحايدة. أتراها اليوم ثلاثة دواوين مختلفة، أم فصولًا لقصيدة واحدة تزداد برودًا؟
ثلاثة فصول في كتاب واحد اسمه “موت الأشياء بروية”.
الوردة: موت بالحنين. الفزّاعة: موت بالسخرية. تقف في الحقل وتخيف الغربان، بينما أنت الخائف. العدسة: موت بالحياد. تصوّر الموت بدقة K4 ولا ترمش. نعم، القصيدة تزداد برودة؛ لأنني كلما كبرت، اكتشفت أن الصراخ لا يفيد. البارد هو الذي يبقى.
8- في (35 ملم) تستعير أدوات المخرج. هل غيّرت هذه الاستعارة طريقة بناء الصورة الشعرية فعلًا، أم أنها مجرّد إطار عنواني أُضيف على قصيدة نثر تقليدية في جوهرها؟
غيّرتها جذريًا.
قبل (35 ملم) كنت أقول: “رأيت أمي تبكي”. بعد (35 ملم) صرت أقول: “كلوز أب: يد مرتجفة تمسح دمعة. بان: الحائط الفارغ خلفها. كَت: صمت”. السينما علّمتني أن الشعر ليس ما تقوله، بل ما ترفض قوله وتتركه للفراغ. هي ليست عنوانًا. هي نظّارة لبستها بعد أن رأيت الخرطوم تحترق في بثّ مباشر على (فيسبوك). ومن يومها لم أعد أرى العالم إلا كمشاهد.
9- قلت إن “الشاعر الحقيقي يتيم”، وإنك تخنق آباءك الشعريين كل صباح كي تكتب قصيدتك. أليس هذا القتل الرمزي ادعاءً أسهل من الاعتراف بأن أثرهم ما زال حاضرًا في نصوصك حتى اليوم؟
ليس ادعاء. هو جراحة بلا بنج.
أنا أحب التجاني، وأحب محمد المكّي، وأحب محمود درويش. لكنني كل صباح أقف أمامهم وأقول: “شكرًا، لكنني لن أكونكم”. أقتل “التأثير” فيهم حتى لا أصبح صدى.
الاعتراف بالأثر سهل. الصعب هو أن تخرج من ظل الأب وتمشي في الشمس وحدك.
10- في نص (تنويه) تهدّد “العابثين بنا” بالقضاء عليهم، “الأحياء منكم والأموات”. ماذا أردت أن تقول بجمع الأموات إلى الأحياء في هذا التهديد؟
لأن الموت في بلادنا لا ينهي الجريمة. الطاغية يموت فيصبح شارعًا باسمه. النظام يسقط فيصبح منهجًا في المدارس. فكان لا بدّ من تهديد القبر أيضًا.
أهدّد الأحياء الذين يطلقون الرصاص، وأهدّد الأموات الذين كتبوا الفتاوى التي شرعنت الرصاص. الذاكرة سلاح. ومن لا يخاف الموتى، سيكرّرهم.
11- كتبت نصًا كاملًا “ضد الحنين”، بينما حديثك عن أم درمان جرحٌ لا يُقاوَم حنينه، وأنت بعيد عنها منذ سنين. أهذا حنين حقيقي، أم حنين المسافة الآمنة الأرخص كلفة؟
ضد الحنين لأنه قاتل. الحنين يجعلك تعيش في الماضي فتموت مرتين: مرّة في الواقع ومرّة في الذاكرة. أم درمان الآن ليست المدينة التي تركتها. هي جرح مفتوح في الخريطة. وحنيني لها ليس حنين المسافة الآمنة. هو حنين المُذنب. أنا البعيد الآمن الذي يبكي. وهذا أرخص أنواع البكاء. لذلك أكتب “ضده” لأجلد نفسي.
12- تصف نفسك بـ”احتجاج البدائي الأخير ضد الآلة”، بينما تبني ديوان (35 ملم) على استعارة الكاميرا. أليس سلاحك ضد التشييء هو أداة التشييء نفسها؟
المفارقة هي الفكرة. أحتج على الآلة التي تقصف بالطائرة. وأستخدم الآلة التي توثّق القصف بالكاميرا. أنا لا أحتج على التكنولوجيا. أحتج على بردها. في (35 ملم) أجبرت الكاميرا أن ترتجف. أن تخطئ الفوكس. أن تدمع العدسة. سلاحي ضد التشيؤ هو أن أُشيّئ الشاعر نفسه. أجعله آلة تصوير تبكي.
13- تقول إن “الشعر يسكن في أفواه الجائعات لا في كتب المترفين”، بينما أنت شاعر مُترجم، تُنشر في دار قاهرية مرموقة، وتشارك في مهرجانات عالمية. أين موقعك أنت من هذه المعادلة التي ترسمها بين الشعر والفقر والترف؟
أنا المترجم الذي لا يخون.
أنقل صوت الجائعة من قطّية في دارفور إلى منصّة في باريس، ليدرك العالم بشاعرية مكثّفة حجم المأساة. العار ليس في أن تُنشر في دار مرموقة. العار أن تُنشر ولا يصل أثرها إلى الجائعة. أنا الساعي بين طرفيها. أكتب لمواجهة الحياة وإعلاء قيمة الإنسان بداخلنا. هذه هي مهنتي الحقيقية.
14- نصوصك تُرجمت وتنقّلت ووصلت إلى مهرجانات في باريس والمكسيك، بينما حضورك السوداني والعربي أضيق من قيمتك الفعلية. هل اكتشفك العالم قبل أن يكتشفك بلدك؟
العالم لم يكتشفني. العالم اكتشف “كارثة اسمها السودان”. وأنا كنت الصوت الذي يليق بالكارثة. بلدي لم يكتشفني لأنه مشغول باكتشاف الجثث. وعندما ينتهي من الدفن، سيجد على الرف كتابًا باسمي. وربما يقرأه. لا أحقد. أفهم.
15- كيف تقرأ الساحة الشعرية السودانية الراهنة؟ هل ترى أصواتًا جديدة تستحق المتابعة، أم أن المشهد يراوح في أدوات الأجيال السابقة دون تجديد حقيقي؟
مشتعلة..
هناك بنات في بورتسودان يكتبن قصائد على أكياس الدقيق. هناك أولاد في معسكرات النزوح يرسلون قصائدهم عبر رسائل صوتية. المشهد لا يراوح. المشهد انهار ثم أعاد بناء نفسه من الرماد. لا نريد منابر. نريد ماء. والشعر صار ماء.
16- الحرب في السودان غيّرت كل شيء: الجغرافيا، الناس، حتى اللغة. كيف أثرت هذه الحرب على حياتك الشخصية أولًا، وعلى نظرتك لجدوى الشعر ودوره في لحظة كهذه؟
شخصيًا: قتلت أبو روف. شرّدت أمي. جعلت هاتفي عبارة عن قائمة وفيّات.
شعريًا: جعلتني أستحي. لمدة شهر لم أكتب. قلت: من يقرأ الشعر والناس تموت؟ ثم فهمت: الشعر في زمن الحرب ليس ترفًا. هو دفتر حضور. نكتب لنثبت أننا لم نتحوّل إلى أرقام. أن فلانة كان اسمها “فاطمة” وكانت تحب الريح. جدوى الشعر؟ الجدوى الوحيدة أنه يمنعنا من الجنون.
17- من هو قارئك الحقيقي: القارئ الواحد النادر الذي تكتب من أجله كما تقول، أم جمهور المهرجانات والترجمات الذي تسعى إليه فعليًا؟
واحد. فقط واحد. قد يكون في المكسيك، وقد يكون في شندي. لا أعرفه. لكنني أكتب وأنا أتخيّله يقرأني الساعة 3 الفجر، وحيدًا، ويقول: “هذا أنا”. جمهور المهرجانات يصفّق وينسى. القارئ الواحد يحتفظ بالقصيدة في جيبه 20 سنة.
18- تدير منتدى جماعيًا للمبدعين السودانيين وأنت “المُقل” في النشر الفردي. هل العمل الجماعي أسهل عليك من مواجهة القارئ منفردًا بنصك؟
أسهل بكثير.
في المنتدى أنا لست أنا. أنا الخادم. أقدّم الشاي، أعدّل الميكروفون، أصفّق للآخرين. لكن حين أكتب باسمي، أقف عاريًا. لا ساتر ولا جمهور. المواجهة مع الذات أصعب من المواجهة مع العالم. لذلك أهرب إلى الجماعة.
19- بعد هذا العمر الطويل مع الكتابة، هل تشعر أنك اقتربت من جوهر ما أردت قوله منذ البداية، أم أن كل قصيدة كتبتها كانت في الحقيقة محاولة أخرى للاقتراب من قولٍ يظل مؤجلًا ولا يكتمل؟
أبدًا. ولو اقتربت لتوقّفتُ عن الكتابة. كل قصيدة هي اعتذار عن القصيدة التي سبقتها. الجوهر مؤجّل. مؤجّل إلى ما بعد هذه الحرب، وما بعد كل الحروب. أنا لا أكتب لأقول. أكتب لأقترب من القول.