ثقافــة

خليل عرديب وحراس النهر

قرشي الطيب

على الضفةِ الغربيةِ للنيل الأزرق، حيثُ ينحني الماءُ كمنجلٍ قديمٍ يحصدُ الذاكرةَ ولا يحصدُ الأرض، تقومُ القريةُ الكبيرةُ التي تتعلّمُ كيف تُصبحُ مدينةً ببطء، مثل طفلٍ يحاولُ جهدَهُ أن يُجيدَ الوقوفَ قبل أن يُجيدَ المشي.

هناك، حيثُ أشجارُ الطندب تُصافحُ الريحَ بأصابعَ يابسة، وحيثُ شجرُ العُشر يفتحُ فمَهُ للحكاياتِ أكثرَ مما يفتحُهُ للضوء، عاشَ خليل عرديب.

لم يكن لهُ أهلٌ يُذكرون، ولا حكايةٌ تبدأُ باسمه وتنتهي عند قبرٍ معلوم. جاءَ – كما يقولون – مع فيضانٍ قديم، أو ربما سبقَ الفيضانَ نفسَهُ. استقرَّ قريبًا من الشاطئ، وبنى “قطيَّته” بيديه: أسطوانةٌ من طينٍ يعرفُ سرَّ الصبر، وسقفٌ مخروطيٌّ من قشٍّ شربَ الشمسَ حتى صار رماديًّا، كأنَّهُ رأسُ شيخٍ نسيَ اسمَهُ.

كان خليلُ يمشي كمن يُصالحُ الأرضَ في كلِّ خطوة، ويصمتُ كمن يعرفُ أنَّ الكلامَ أحيانًا خيانة. لم يُؤذِ أحدًا، لكنَّ أحدًا لم يطمئنَّ لهُ. قالوا عنهُ: “ده زول ما طبيعي”، وقالت (حليمة بت أبو سن): “الزول الداير يعيش براهو جنب النيل ده، منه خوف”.

أما (مكّاوي الدلّال) فكان يقسمُ أنَّهُ رآهُ مرةً يُحادثُ الماءَ، لا يرفعُ صوتَهُ ولا يخفضُهُ، كأنَّهُ يتبادلُ الأسرارَ مع شيءٍ لا يُرى.

في النهار، كان خليل يجمعُ حجارةً ملساءَ من حوافِّ النهر، يختارُها كما تُختارُ الكلماتُ في قصيدةٍ خجولة. يُرتّبُها حول قطيته في دوائرَ لا تكتمل، كأنَّهُ يُشيّدُ متاهةً للريح، أو بابًا لشيءٍ لا يُفتحُ إلا من الداخل. وحين تُثمرُ أشجارُ السدر، كان يجمعُ النبقَ في صمت، يضعُهُ في جرابٍ قديم، ثم يُعيدُ نصفَهُ إلى ظلِّ الشجرة، كأنَّهُ يردُّ الدينَ لشيءٍ لا يُطالِبُ به.

لكنَّ الليلَ كان لهُ شأنٌ آخر.

حين تهبطُ العتمةُ كستارةٍ ثقيلة، ويصيرُ النيلُ أعمقَ من أن يُرى، كانت تبدأُ الحكاياتُ التي لا تُحكى في وضح النهار. من بين جذور العُشر، ومن تجاويف الطندب، ومن انحناءة الماء التي تُشبهُ فمًا نصفَ مفتوح، كانت الكائناتُ تُطلُّ: جنٌّ يلبسونَ ظلَّهم كجلدٍ إضافي، وسحرةٌ يتركونَ آثارَ أقدامهم مقلوبةً، كأنَّهم يمشونَ نحو البداية لا النهاية.

قال (بشير الكتّاحة) إنَّ خليلًا يُشعلُ نارَهُ بعد منتصف الليل، ويجلسُ قبالتها كقاضٍ قديم، يضعُ الحجارةَ حولَهُ دائرةً، ثم يبدأُ الهمس. لم يسمع أحدٌ ما يقول، لكنَّ الريحَ كانت تُغيّرُ اتجاهَها، والكلابُ تعوي نحو النهر، لا نحو البيوت.

وفي إحدى ليالي الخريف، حين وصلت طيورُ السمبر تُعلنُ قدومَ المطر، ووقفت طيورُ الرهو ببياضها الذي يُخيفُ أكثرَ مما يُطمئن، اشتدَّ الصراع.

بدأت الحكايةُ حين اختفى صبيٌّ من أبناء (ود الحاج). قالوا إنَّهُ كان يرعى قرب الهجليج، حيثُ الظلُّ كثيفٌ كنيّةٍ سيئة. لم يجدوا لهُ أثرًا إلا حجرًا أملسَ غريبَ الزرقة، موضوعًا عند طرف الماء. لم يكن من حجارة النهر التي يعرفونها.

“ده شغل خليل!” صرخَ (مكّاوي الدلّال)، كأنَّهُ وجدَ أخيرًا تفسيرًا يُريحهُ من خوفه. ووجدت القريةُ في ذلك الاتهام ملاذًا جاهزًا.

تجمّعوا عند قطّيته. رجالٌ يحملونَ الغضبَ أكثرَ مما يحملونَ العصي، ونساءٌ يهمسنَ بأسماءٍ لا تُقالُ كاملة.

خرج خليلُ إليهم ببطء، كأنَّهُ يعرفُ أنَّ الزمنَ لا يتغيّرُ بالسرعة.

قال لهُ (بشير): “الولد وين؟”

نظر خليلُ إلى وجوههم، ثم إلى النيل، ثم إلى الحجارة حول قطيته. لم يُجب.

صاحَ (مكّاوي): “ساكت ليه؟! إنتَ بتتعامل مع منو في الليل؟!”.

رفع خليلُ يدَهُ، لا ليدافعَ عن نفسه، بل كمن يُنصتُ لشيءٍ قادم. في تلك اللحظة، هبّت ريحٌ غريبة، لا باردةٌ ولا حارة، وارتجف شجرُ العُشر كأنَّهُ يضحك.

ثم حدث ما لم يُتّفق على روايته.

بعضُهم قال إنَّ الماءَ ارتفعَ فجأةً، كأنَّهُ يريدُ أن يُغطيَ شيئًا.

وبعضُهم قال إنَّ ظلالًا خرجت من بين الحجارة، ووقفت خلف خليلٍ كحُرّاسٍ لا يُرَون.

وحليمة أقسمت أنَّها سمعت صوتَ صبيٍّ يضحك من جهة النيل، لا من جهة القرية.

في صباح اليوم التالي، وُجد الصبيُّ نائمًا قرب الهجليج، بلا جرحٍ ولا خوف، لكنهُ لا يتذكّرُ شيئًا. فقط قال: “كنت بلعب مع واحد.. صوتُهُ زي الموية.”

تراجع أهلُ القرية، لكنَّ شكَّهم لم يتراجع. صار خليلُ عرديب أكثرَ غرابةً، وأكثرَ وحدةً، كأنَّهم وضعوهُ خارجَ الزمن، لا داخله.

مرّت السنوات، وكبر خليلُ حتى صار عمرُهُ يُروى ولا يُحسب. قيل إنَّهُ بلغ المئة، وقيل أكثر. صار ظهرُهُ قوسًا، مثل انحناءة النيل نفسها، وصار صمتُهُ أعمق، كأنَّهُ يُخزّنُ الكلامَ لوقتٍ لن يأتي.

وفي ليلةٍ بلا قمر، حين كان النيلُ هادئًا على غير عادته، حدثت النهاية – أو ما ظنّوهُ نهاية.

قالوا إنَّهم وجدوهُ في قطّيته، ساقطًا على موقده، والنارُ ما زالت تتنفّسُ تحتهُ. قالوا إنَّهُ سقطَ على مؤخرته، كمن جلسَ فجأةً على تعبٍ طويل. لكنَّ الغريب – كما قال (بشير) – أنَّ الحجارةَ حولهُ كانت مُرتّبةً أكثرَ من أي وقتٍ مضى، كأنَّ يدًا أخرى أكملت ما لم يُكمله.

أما النيل، فكان صامتًا تلك الليلة، صمتًا لا يُشبهُ سكونَهُ المعتاد.

وأشجارُ الطندب لم تتحرّك، والعُشر لم يهمس.

وفي الصباح، حين اقتربوا ليدفنوه، لم يجدوا الجسد.

فقط وجدوا حجرًا أملسَ، أزرقَ، في قلب الدائرة.

منذ ذلك الحين، صار بعضُهم يقول إنَّ خليل عرديب لم يمت، بل عادَ إلى حيثُ بدأ – إلى الماء، إلى الحكاية، إلى الصمت الذي يُجيب.

أما الآخرون، فيكتفون بالقول: “الزول ده.. كان عايش مع حاجات ما بنشوفها.”

والنيل – كعادته – لم يُكذِّب أحدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع