إبراهيم بشير … حكاية روائي غاب عن المنابر وظلّ النص شاهده الوحيد
الدوحة - مشاوير : مجدي علي
“والله يا مجدي يا حبيب، فكرة الحوار دي من زمان ما داخلة لي في راسي خالص”..
لم تكن هذه الجملة اعتذارًا عابرًا من روائي يتهرّب من لقاء صحفي، بل كانت مدخلًا لفهم موقف ظلّ إبراهيم بشير متمسكًا به طوال أكثر من ثلاثة عقود: أن الكاتب لا يصنع حضوره بكثرة الكلام، وإنما بما يتركه خلفه من نصوص قادرة على البقاء.
جاءت عبارته ردًا على طلبي إجراء حوار معه حول تجربته ومسيرته. كنت أظن، كما يظن أي صحفي يبحث عن شهادة جديدة، أن روائيًا وقاصًّا مجيدًا، كتب أعمالًا أثارت اهتمام النقاد لا بد أن لديه ما يريد قوله عن الكتابة والحياة والزمن.
لكن إبراهيم بشير أجاب بهدوء، وكأنه يكّرر قناعة قديمة: “تقريبًا طيلة عمري ده ما قبلت أعمل أي حوار.. أنا إذا كتبت عمل ونشرتو، يا يقدر العمل يتكلّم عن نفسو، يا كمان يروح وراء النسيان”.
كانت الجملة قصيرة، لكنها كشفت موقفًا كاملًا من علاقة الكاتب بعمله. فهو لا يبدو منشغلًا بصناعة صورة عامة عن نفسه، ولا بتقديم مفاتيح جاهزة لقراءة نصوصه؛ بل يترك العمل يواجه القارئ وحده، بما يحمله من أسئلة ومساحات مفتوحة.
كان يمكن أن ينتهي الحديث عند هذا الحد، لكن الرغبة في التوثيق دفعتني إلى مواصلة النقاش. أوضحت له أن الغرض ليس صناعة حضور إعلامي لكاتب، وإنما حفظ جانب من ذاكرة تجربة أدبية مهمة؛ فالأعمال تحفظ جزءًا من حياة أصحابها، لكنها لا تكشف دائمًا ظروف ولادتها، ولا القلق الذي صاحب كتابتها، ولا الرحلات التي قطعتها قبل وصولها إلى القارئ.
قرأ إبراهيم الرسالة بعناية، ثم جاء رده أكثر عمقًا مما توقّعت. قال إنه يقدّر قيمة التوثيق، لكنه يخشى أن تتحوّل تفاصيل الكتابة وكواليسها إلى تفسير نهائي للنص، فيفقد القارئ حقه في اكتشاف العمل بطريقته الخاصة. ثم لخّص رؤيته في عبارة شديدة الدلالة: “قوة النص الأدبي مرات بتكون في المساحات الفاضية البتتساب للقارئ عشان يكمّلها بوعيه ووجدانه”.
هذه العبارة تضيء جانبًا أساسيًا في تجربة إبراهيم بشير؛ فابتعاده عن المنابر لم يكن موقفًا من الثقافة أو رفضًا للتواصل، وإنما اختيار لطريقة أخرى في الحضور. فمنذ صدور روايته الأولى (التراب والرحيل) عام 1989، ظل يترك النص يتقدّم عليه، مؤمنًا بأن العمل بعد نشره يبدأ حياة جديدة لا يملك الكاتب وحده تحديد مساراتها.
يلتقي هذا التصوّر مع سؤال ظل حاضرًا في النقد الحديث حول علاقة المؤلّف بالنص: هل يبقى الكاتب المرجع الأول لفهم عمله، أم أن النص، بعد اكتماله، يصبح مساحة يشارك القارئ في إنتاج معناها؟ لم يصل إبراهيم بشير إلى هذا الموقف عبر تنظير نقدي، وإنما عبر ممارسة طويلة؛ فلم يكتب شروحًا لأعماله، ولم يسعَ إلى توجيه القراءات نحو معنى محدّد، بل منح نصوصه فرصة أن تتحدّث نيابة عنه.
ومن هنا تبدأ قراءة تجربته؛ من العالم الذي بناه داخل الرواية، من الأماكن التي تحوّلت إلى ذاكرة، ومن الشخصيات التي خرجت من الهامش لتكشف تحوّلات المجتمع، ومن الأسئلة التي ظلّت ترافق مشروعه: الأرض، والرحيل، والهوية، والمنفى.
من كردفان إلى فضاء الرواية
وُلد إبراهيم بشير إبراهيم في ولاية شمال كردفان عام 1958، ونشأ في بيئة غنيّة بالتنوع الاجتماعي والثقافي والإنساني. هناك تشكّل وعيه الأول بالمكان والإنسان؛ ففي كردفان الغرّة، حيث تختلط الحكايات الشعبية بتجارب الحياة اليومية، لم يكن المكان مجرد خلفية، بل ذاكرة حيّة تحمل آثار الذين عاشوا فيه.
لهذا ظلّ المكان حاضرًا في كل كتابته بوصفه جزءًا من مصير الشخصيات. فالقرية والطرق والبيوت القديمة ليست تفاصيل سردية، وإنما عناصر تدخل في تشكيل حياة الأبطال وتحديد علاقتهم بالعالم.
لم ينشغل إبراهيم بشير بنقل الواقع كما هو، بل بمحاولة الاقتراب من طبقاته الخفية؛ من الصراعات التي يعيشها الإنسان داخله، ومن أثر التحوّلات الكبرى على حياة الناس العاديين. لذلك جاءت شخصياته بعيدة عن النماذج الجاهزة؛ شخصيات تحمل ضعفها وقوتها، خوفها وأحلامها، وتحاول أن تجد مكانًا لها وسط عالم لا يتوقف عن التغيّر.
انتقل للإقامة والعمل في دولة قطر منذ عام 2005، فكانت الغربة امتدادًا لأسئلته الأدبية لا خروجًا منها. فالمنفى في عالمه لم يكن انتقالًا من جغرافيا إلى أخرى، وإنما تجربة تتصل بالذاكرة والانتماء وبحث الإنسان عن جذوره.
ولعل من أبرز ملامح تجربة إبراهيم أنه منح البطولة لأولئك الذين يعيشون بعيدًا عن دائرة الضوء؛ الفلاح، والعابر، والمغترب، والإنسان الذي يواجه الحياة بقدرات محدودة لكنه يحمل داخله قصّة كاملة. هؤلاء لا يظهرون كضحايا فقط، بل كأصحاب تجارب تكشف جانبًا من تاريخ المجتمع.
فالتحوّلات الكبرى في رواياته لا تأتي دائمًا من مراكز القوة، وإنما من البيوت الصغيرة والقرى والطرقات، ومن لحظات الفقد والانتظار. إنه يلتقط ما قد يمرّ من دون انتباه، ويمنح الأصوات البعيدة فرصة لأن تُسمع.
(التراب والرحيل).. الأرض ذاكرة
كانت رواية (التراب والرحيل) (دار نشر جامعة الخرطوم، 1989؛ ثم دار الأهالي بدمشق، 1995) نقطة الانطلاق الأساسية في مشروع إبراهيم بشير الروائي، لكنها حملت منذ بدايتها الأسئلة التي ستظل حاضرة في أعماله اللاحقة: علاقة الإنسان بالأرض، معنى الرحيل، وما تتركه الظروف من آثار في حياة الناس.
تتعامل الرواية مع الأرض باعتبارها أكثر من مكان تجري فوقه الأحداث. فالتراب فيها مرتبط بالذاكرة والجذور والانتماء، بينما لا يبدو الرحيل انتقالًا جغرافيًا فحسب، إنه تجربة إنسانية تحمل معنى الفقد والانفصال عن عالم كان جزءًا من تكوين الإنسان.
تنبع أهمية هذه الرواية من هذه المسافة بين التعلّق بالمكان والظروف التي تدفع إلى مغادرته. فالشخصيات لا تترك الأرض بسهولة، كما أن الرحيل لا يمنحها خلاصًا كاملًا؛ إذ يبقى شيء من المكان داخل الذاكرة، ويظل الإنسان يحمل معه ما تركه وراءه.
ومنذ هذا العمل ظهرت حساسية إبراهيم بشير تجاه المكان؛ فهو لا يرسم القرية بوصفها فردوسًا مكتملًا، ولا يقدم الرحيل بوصفه نهاية مأساوية فقط، بل يكشف التعقيد الذي يحيط بعلاقة الإنسان بجذوره وبالمتغيرات التي تفرض عليه تغيير مساره.
(الزندية).. الإنسان في مواجهة الواقع
مع رواية (الزندية) (اتحاد الكتّاب العرب بدمشق، 1994؛ ثم دار عندليب بالخرطوم، 2023)، اتسع عالم إبراهيم بشير السردي، وانتقل من سؤال الأرض إلى أسئلة المجتمع والعلاقات التي تحكم حياة الإنسان داخله.
إذا كانت (التراب والرحيل) تنظر إلى الإنسان من خلال علاقته بالمكان، فإن (الزندية) تقترب منه في مواجهة شروط الحياة اليومية؛ العمل، والصراع الاجتماعي، ومحاولات الفرد أن يحافظ على موقعه وكرامته وسط واقع لا يمنحه الطريق بسهولة.
يحمل عنوان الرواية دلالة مرتبطة بالجهد والقوة والعمل، وهو يتحوّل داخل النص إلى إشارة إلى قدرة الإنسان على المقاومة. فالكاتب لا يقدّم الصراع عبر شعارات مباشرة، وإنما من خلال تفاصيل الحياة، وعلاقات الشخصيات، والتجارب الصغيرة التي تكشف ضغوطًا أكبر.
تكمن قيمة الرواية في اقترابها من الإنسان العادي، لا بوصفه نموذجًا اجتماعيًا فقط، وإنما شخصًا له رغباته ومخاوفه وأحلامه. فالصراع فيها يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، لكنه يفتح أسئلة أوسع عن العدالة والاختيار والمكانة الاجتماعية.
وجدت الرواية اهتمامًا نقديًا، فتناولها الناقد السوري عبد الله أبو هيف في كتابه (الجنس الحائر: أزمة الذات في الرواية العربية)، كما خصّص لها الناقد السوداني صلاح النعمان قراءة ضمن كتابه (جماليات السرد).
ويكشف هذا الاهتمام أن تجربة إبراهيم بشير تجاوزت حدود الموضوع المحلي لتدخل في أسئلة الرواية العربية حول الإنسان والتحوّلات الاجتماعية.
(الإياب) و(محمد أحمد).. الكتابة والإنسان
تكشف رواية (الإياب) جانبًا خاصًا من علاقة إبراهيم بشير بالكتابة نفسها. فهي تدور حول رحلة نشر رواية (التراب والرحيل)، منذ اكتمالها مرورًا بالسفر إلى الخرطوم ثم سوريا ولبنان بحثًا عن طريق للنشر، وصولًا إلى العودة إلى القرية.
لكن الرواية لا تقدّم سيرة ذاتية مباشرة، وإنما تحوّل تجربة الكاتب إلى سؤال عن معنى الكتابة، وعن رحلة النص قبل أن يصل إلى القارئ. فالمسافة بين المدن التي يقطعها صاحب المخطوط تصبح جزءًا من رحلة داخلية مرتبطة بالحلم والانتظار والبحث عن الاعتراف.
وفي عام 2012 أرسل إبراهيم بشير مسودة الرواية إلى الناقد صلاح النعمان طالبًا رأيه قبل إخراجها في صورتها النهائية. تكشف هذه الخطوة احترامه للقراءة النقدية الجادّة، ورغبته في أن يختبر النص بعيدًا عن المجاملات والاحتفاء الإعلامي.
أما مجموعته القصصية (محمد أحمد.. أو الذي ارتجّت له المدينة) (دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1996)، فتذهب إلى مساحة أخرى من مشروعه، لكنها تبقي الإنسان في مركز الاهتمام.
يحمل اسم (محمد أحمد) دلالة رمزية؛ فهو اسم يمكن أن يمثّل الإنسان السوداني العادي، ذلك الذي لا يظهر عادة في صفحات التاريخ الكبرى، لكنه يصنع تفاصيل المجتمع بحضوره اليومي.
تقترب القصص من العلاقة بين الريف والمدينة، ومن التحوّلات التي تصيب حياة الناس حين تتغير الظروف والقيم. ويمنح الكاتب شخصياته مساحة واسعة من الكرامة؛ فهو لا يقدّمها باعتبارها ضحايا للواقع فقط، وإنما بوصفها شخصيات تمتلك وعيها وتجاربها وقدرتها على مواجهة الحياة.
وهكذا، يبدو النظر إلى أعمال إبراهيم بشير مجتمعة كاشفًا عن أنها ليست أعمالًا منفصلة، بل فصولًا متجاورة في مشروع سردي واحد؛ يبدأ من علاقة الإنسان بالأرض وذاكرتها في (التراب والرحيل)، ويمتد إلى أسئلة المجتمع وتحوّلاته في (الزندية)، ثم ينتقل إلى تأمل فعل الكتابة ومصير النص في (الإياب)، وصولًا إلى تفاصيل الإنسان العادي وهمومه اليومية في (محمد أحمد). وبين هذه الأعمال جميعًا يظل سؤال واحد حاضرًا: كيف يحافظ الإنسان على ذاكرته ومعناه وسط عالم تتبدل ملامحه باستمرار؟
المكان واللغة.. بصمة أسلوبية
المكان في أدب إبراهيم بشير حاضر بوصفه عنصرًا مؤثرًا في بناء المعنى. فالقرية والمدينة وكردفان وفضاءات السفر والغربة ليست مواقع للأحداث، وإنما تحمل ذاكرة الشخصيات وتجاربها.
تبدو الأمكنة في نصوصه وكأنها تحفظ ما يعجز الإنسان عن الاحتفاظ به: الحكايات القديمة، آثار الغائبين، وأصوات الذين مرّوا ثم رحلوا. ولهذا تصبح ثنائية (التراب والرحيل) مفتاحًا لفهم عالمه كله؛ فحتى الشخصيات التي تغادر المكان تظل مرتبطة به بطريقة أو بأخرى.
وتنعكس هذه العلاقة بالمكان في لغته السردية؛ لغة هادئة لا تبحث عن الاستعراض، وإنما تترك التفاصيل الصغيرة تقوم بدورها. فهو يوازن بين وضوح الفصحى ودفء البيئة السودانية، مستفيدًا من خصوصية المكان دون أن يحصر النص داخله.
كما تحمل عناوين أعماله طاقة دلالية واضحة؛ فـ(التراب والرحيل)، و(الزندية)، و(الإياب) ليست مجرد أسماء، وإنما إشارات إلى العوالم التي تتحرك داخلها النصوص.
ومن زاوية أخرى، يكشف أسلوب إبراهيم بشير عن ميل واضح إلى التكثيف والاقتصاد؛ فالجملة عنده لا تبحث عن الزخرفة أو الاستعراض، وإنما تسعى إلى التقاط جوهر اللحظة الإنسانية وما تختزنه من دلالات، وهو ما يمنح نصوصه إيقاعًا هادئًا، ويفتح أمام القارئ مساحات واسعة للتأمل وإعادة اكتشاف المعنى.
الكاتب خلف النص
ليس من الإنصاف أن تُقرأ تجربة إبراهيم بشير من زاوية الاحتفاء وحدها؛ فكل مشروع أدبي، مهما بلغت قيمته، يبقى مفتوحًا أمام النقد والأسئلة. ففي بعض مقاطع (التراب والرحيل) يحضر وصف البيئة المحلية بتفاصيله الكثيرة؛ العادات، والأغاني، وملامح الحياة اليومية، وهو ما يمنح النص خصوصيته وثراءه، لكنه قد يبطئ حركة السرد أحيانًا بالنسبة إلى قارئ يبحث عن إيقاع أكثر سرعة.
كما أن بعض قصصه القصيرة تترك شخصياتها في مناطق مفتوحة من القلق والانتظار، دون نهايات حاسمة أو حلول واضحة. وهذا ينسجم مع عالمه الذي لا يميل إلى تقديم إجابات جاهزة، لكنه قد يجعل بعض القراء يشعرون بأن مسارات الشخصيات ظلت معلّقة أكثر مما ينبغي.
غير أن هذه الملاحظات لا تقلّل من قيمة تجربته، بل تكشف طبيعة مشروع يراهن على التأمّل أكثر من المباشرة، وعلى التقاط التحوّلات الداخلية للإنسان أكثر من تقديم حكايات مغلقة. فهو لا يكتب عن غرب السودان بوصفه مشهدًا ثابتًا أو صورة محفوظة، وإنما يبحث عن أثر الزمن في المكان، وعن الطريقة التي تغيّر بها الأحداث الكبرى حياة الأفراد العاديين.
وربما يفسر هذا موقفه من الحوارات الإعلامية أكثر؛ فهو لا يرفض الحديث عن الأدب، لكنه يتحفّظ على أن يتحوّل الكاتب إلى شارح دائم لأعماله. هناك فرق، في نظره، بين شهادة تساعد على فهم ظروف النص، وشهادة تصبح بديلًا عن النص نفسه. لذلك ظل يفضّل أن يذهب العمل إلى القارئ دون مقدّمات أو شروحات طويلة، وأن يكتشف كل قارئ علاقته الخاصة به.
حضور رغم الغياب
في زمن أصبحت فيه صورة الكاتب وحضوره الإعلامي جزءًا من المشهد الثقافي، تبدو تجربة إبراهيم بشير مختلفة. فكاتب يمتلك هذا الرصيد من الأعمال كان يمكن أن يكون حاضرًا في الندوات والحوارات والمنابر، لكنه اختار مسارًا آخر؛ أن يكون حضوره من خلال الكتابة لا من خلال كثافة الظهور.
غير أن الغياب عن المنابر لم يكن غيابًا عن الأدب. فقد ظلّ إبراهيم بشير حاضرًا عبر نصوصه؛ في الشخصيات التي منحها الحياة، وفي الأمكنة التي حفظ تفاصيلها، وفي الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام القراء.
وربما تكمن المفارقة في أن الكاتب الذي لم يسعَ إلى بناء صورة إعلامية لنفسه، ترك أثرًا أدبيًا أكثر هدوءًا وعمقًا. لقد ابتعد عن فكرة الكاتب الذي يتقدّم دائمًا أمام أعماله، ويشرح مقاصده، ويقترح طرق قراءتها، واختار بدلًا من ذلك أن يمنح النص فرصة أن يعيش بعيدًا عن صاحبه.
تطرح تجربة إبراهيم بشير سؤالًا قديمًا في الثقافة: هل يحتاج النص إلى صوت صاحبه حتى يكتمل تاريخه؟ أم أن العمل الأدبي قادر وحده على حفظ أثر كاتبه؟
لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال؛ فبعض التجارب تزداد وضوحًا بشهادات أصحابها، بينما تكتسب تجارب أخرى قوتها من المسافة التي تفصل بينها وبين مبدعيها. وفي حالة إبراهيم بشير تبدو الإجابة حاضرة في أعماله نفسها؛ فالكاتب الذي اختار تقليل حضوره الشخصي ترك نصوصًا تحمل صوته، وتكشف انشغاله بالإنسان والمكان والتحولات التي تصنع مصائر البشر.
من (التراب والرحيل) إلى (الزندية)، ومن (الإياب) إلى (محمد أحمد.. أو الذي ارتجّت له المدينة)، ظل مشروع إبراهيم بشير يدور حول الإنسان في علاقته بالأرض، وبالذاكرة، وبالرحيل، وبمحاولته المستمرة للعثور على مكانه في عالم متغيّر.
لقد اختار إبراهيم بشير أن يكون النص شاهده الوحيد، لكن نصوصه بدورها اختارت أن تحفظ حضوره. وربما كانت المفارقة الأجمل في تجربته أن الكاتب الذي لم يرغب في الحديث كثيرًا عن أعماله، ترك أعماله تقول عنه أكثر مما كان يمكن لأي حوار أن يقوله.