تسوية شعبية أم هبوط ناعم؟

د.أحمد عثمان عمر 

يتساءل الكثيرون حول دور المجتمع الدولي في السياسة السودانية، منطلقين من طبيعة الحرب اللعينة الماثلة التي تم تدويلها، وباحثين عن حلول كاملة يقدمها ذلك المجتمع، في تناس كامل لأمرين مهمين هما: السياق التاريخيّ للأزمة والانسداد السياسي الذي شكلها، والتناقضات التي قادت المجتمع الدولي لصياغة مشروع سائد رغم التباينات وتضارب المصالح الدولية.

فالناظر لجوهر المشروع صاحب اليد الطولى، يجد أن المشروع الأمريكي ليس جديداً بل قديما تكيف مع التغيرات التي حدثت في السياسة السودانية والتبدل في موازين القوى، داخل معادلة يتم باستمرار فيها تجاهل دور الجماهير الثائرة المنظمة، ويتم تغليب التسوية السياسية بين القوى التي أنتجت الأزمة نفسها وجعلها جزءا أصيلا من الحل.

فالمشروع الدولي جوهره محاولة لإعادة إدماج السودان في المجتمع الدولي من مواقع التبعية التامة، والخضوع لمشاريع تخدم حالة النهب الواسعة لموارد وخيراته.

وفي هذا السياق أتى مشروع بريستون ليمان المعروف بالهبوط الناعم، والذي رمى لتعويم نظام الإنقاذ لا إسقاطه، عبر توسيع دائرة المشاركة وإلحاق المعارضة بالسلطة من مواقع متخلفة، حيث أسس لحوار الوثبة الذي فشل في تعويم النظام لرفض القوى الفاعلة في المعارضة وحركة الجماهير، وبتناقضات النظام الداخلية التي انعكست في شكل معارضة داخلية لترشيح رأس النظام حينها لولاية جديدة.

والواضح أن المشروع بالرغم من عدم نجاحه داخليا وكشفه عن تناقضات النظام الداخلية وفضح عجزه، نجح في إدماج نسبي للنظام في المجتمع الدولي، برفع جزئي للعقوبات الأمريكية، وإلحاق لقوى بعينها بالنظام، ودفع قوى نداء السودان التي أصبحت التيار التسووي الحالي لمحاولة اللحاق بركب التسوية عبر انتخابات 2020، لولا أن قطعت عليها ثورة ديسمبر المجيدة الطريق.

واستمر المشروع الدولي داعما للتسوية بين النظام ومعارضته، ورافضاً للتغير الثوري الجذري له، وعاملا على تعويمه، وفي سبيل تحقيق ذلك، دعم التسوية السياسية التي أنتجت الوثيقة الدستورية المعيبة وهو يعلم يقينا أنها وثيقة لاحتواء الثورة والحفاظ على التمكين، تعطي الذراع العسكرية والأمنية للنظام اليد العليا وتمنع من الإسقاط الكلي للنظام، وتجبر التيار التسووي المدني على العمل كواجهة مدنية لسلطة عسكرية حاكمة بالفعل.

واستمر في نهجه بالقبول بالانقلاب الثاني في أكتوبر 2021 مبدئياً، حيث دفع بالدكتور (المؤسس) لشرعنة الانقلاب بتوقيع اتفاق مع الانقلابي المزمن الحاكم منذ ذلك الوقت، هدد الأمين العام السودانيين بأنهم في حال عدم قبوله سيتفتت السودان.

وقبل ذلك سكت هذا المجتمع عن مجزرة القيادة العامة، وبعده دفع القوى التسووية المنخرطة في مشروعه دفعا للانخراط والمشاركة في الاتفاق الإطاري، برغم لاءات الشارع الثائر الثلاثة التي تدعو لعدم التفاوض مع المكون العسكري وإسقاطه، ومهد بذلك للحرب الماثلة التي نتجت عن الاختلال في توازن معسكر القوى المضادة للثورة وانقسامها نتيجة لتمرد المليشيا الإرهابية على الحركة الإسلامية المجرمة، التي لم يكن أمامها من سبيل سوى إشعال الحرب للمحافظة على تمكينها، لأن هذا التمرد سيخل بسلطتها التي منحها لها الاتفاق الإطاري عبر تشكيل مجلس الأمن والدفاع، ووضع صيغ لإصلاح المؤسسة العسكرية يستحيل تطبيقها.

وبعد اندلاع الحرب، انقسمت الدول المنخرطة في مشروع المجتمع الدولي حسب مصالحها، ودعمت أطرافها للمحافظة على توازن الضعف، وإنهاك القوى المتحاربة وعدم السماح لها بتحقيق نصر حاسم، والحصول على ما تريد من كل طرف تدعمه. لذلك استمرّت الحرب في شكل حرب استنزاف متبادل، واستمرت محاولة احتوائها عبر مبادرات متتالية، هدفت إلى تحقيق هدن مؤقتة ليتم تركيب تسوية سياسية بناءا على توازن القوى وطبيعة الصراع.

ولا شك في أن محاولة فرض هدنة لوقف القتال وحماية المدنيين و توصيل الإغاثة للمتضررين، أمر محمود ولا بد من دعمه، إلا أن التسوية السياسية التي يرغب المجتمع الدولي في فرضها يجب النظر اليها بتوجس وحذر كبيرين.

فالواضح أن هذه التسوية- بالرغم بدايتها بتبني شعار ” ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته”، انتهت إلى محاولة الخماسية فرض واجهات المؤتمر الوطني على حوار القوى المدنية، بمستوى أحرج التيار التسووي نفسه ومنعه من المشاركة في الحوار. وهذا مؤشر واضح وقوي على أن المجتمع الدولي راغب في مواصلة تجربته ومشروعه القائم على تعويم النظام وذراعه الضاربة العسكرية الأمنية، في سياق استصحاب المستجدات التي حدثت بعد الاتفاق الإطاري وتداعيات الحرب.

فمحاولة فرض واجهات المؤتمر الوطني والقوى المتحالفة معه في الحوار، تعني نكوصا واضحا عن عزله، ومؤشرا قويا على رغبة في استيعاب هذه القوى، وصنع تسوية تعيد إنتاج الأزمة ولا تحلها، مع تكريس لمبدأ الإفلات من العقاب، ومكافأة القوى المتحاربة على جرائمها بدلا من محاسبتها عليها.

فقبول هذه القوى يعني قبول ممثلي الانقلابيين والجيش المختطف، وتمهيد لقبول واجهات اخرى تعيد المؤتمر الوطني إلى وضع مسيطر بحكم سيطرة الحركة الإسلامية المجرمة على المؤسستين العسكرية والأمنية برغم ضعفهما البين واستعانتهما بميلشيات مسيطر عليها بشكل أو آخر من قبل هذه الحركة المجرمة.

والشواهد على ذلك كثيرة، منها استمرار محاولة إدماج الجيش المختطف في العملية السياسية، برغم وقوعه تحت سيطرة حركة تم تصنيفها كتنظيم إرهابي، والدعم الواضح لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية المتناسلة عن الانقلاب من قبل دول فاعلة في مشروع المجتمع الدولي، والتعاون الاقتصادي مع هذه السلطة من قبل الدول الداعمة للمليشيا الإرهابية نفسها، والصمت حول قصف المدنيين والحواضن الاجتماعية للمليشيا الإرهابية، واستخدام الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية لتليين المواقف لا لتفعيل مبدأ المحاسبة، وعدم الضغط على الدول الداعمة للجيش المختطف لوقف دعمها، وانخفاض الصوت الرسمي الموثق لجرائم الحركة الإسلامية المجرمة وكتائبها الموثقة، برغم علم المجتمع الدولي جيداً بأن المدخل لأي تسوية شعبية جماهيرية، هو العدالة والمحاسبة وإقصاء الطرفين المتحاربين عن السلطة تماما.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك الإصرار المتعمد على إبعاد القوى الثورية المنظمة التي أنجزت ثورة ديسمبر المجيدة من طاولة الحوار، نخلص بوضوح إلى أن جوهر مشروع المجتمع الدولي لم يتغير، وأن استراتيجيته ثابتة وهي تعويم التمكين وإدماجه في المجتمع الدولي، لا تفكيكه ومحاسبة أطرافه، لأنه يكرس التبعية ويقود لإضعاف مزمن لاقتصاد البلاد وإفقار مستمر، وسلطة ضعيفة محتاجة دوما إلى الخارج، غير قادرة على فرض سيادتها أو حماية مواردها، وأحسن من يقوم بذلك هو الحركة الإسلامية المجرمة كما أثبتت تجربة حكمها المستمرة حتى الآن.

والمطلوب هو فهم هذه المعادلة التي لن تنتج تسوية شعبية جماهيرية تخدم المواطن السوداني وتقود لانتقال حقيقي، مما يحتم الاستمرار في التعويل على الجماهير، والمثابرة على تنظيمها في جبهتها القاعدية، لتفرض إرادتها. فالإنصاف يحتم الإقرار بأن المجتمع الدولي دوره الحفاظ على مصالحه لا مصالح الشعوب التي تمر بالأزمات، وأن واجب فرض الحلول التي تكرس مصالح الشعوب وتحمي سيادتها، يقع على عاتق حركة الجماهير المنظمة.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

Exit mobile version