ربما كان أكبر ما يحجبنا عن العالم أننا نراه كثيراً ولا نراه حقاً.
نرى الأشياء في كثافتها وأسمائها ووظائفها، ثم نمضي.
هذه ورقة، وهذا حجر، وهذا درهم، وهذه وردة، وهذه نملة.
كأن الشيء ينتهي عند اسمه، وكأن العالم لا يحمل وراء ظاهره إلا ما تقوله الحواس.
لكن ثمة عيناً أخرى، إذا أُبصرت بها الأشياء، تغيّر كل شيء.
عينٌ لا ترى الدرهم درهماً فقط، ولا الوردة وردةً فقط، ولا الذرة ذرةً فقط.
عينٌ تسأل الشيء عن السر الذي يحمله قبل أن تسأل عن ماهيته.
وهنا أمسك شاعرنا التجاني يوسف بشير بهذا الخيط حين قال:
«هذه الذرّة كم تحمل في العالم سرّاً»
أي ذرة هذه التي يمكن أن تحمل العالم؟
وأي عالم هذا الذي يختبئ في شيء صغير إلى هذا الحد؟
من هنا تبدأ رحلة العبور إلى الحقيقة: أن ندخل إلى الشيء لا أن نقف عنده.
أن ننظر في الذرة حتى نرى اتساع الكون، وفي الوردة حتى نسمع ما وراء العطر، وفي النملة حتى ندرك أن الصغر ليس خلوّاً من السر.
وهنا تطل علينا عائشة رضي الله عنها من الجهة المقابلة.
لا من الذرة، لكن من درهم قليل.
معدنٌ صغير يبدو كأنه لا يقول شيئاً.
لكنها لم تر فيه معدناً فقط.
كانت، حين تتصدق، تطيّب الدرهم قبل أن تعطيه.
يا لها من حركة تبدو صغيرة، لكنها تفتح نافذة كبيرة.
فاليد التي تعطّر الدرهم لا تعطّر المعدن وحده، إنما تعطّر المعاملة.
تضع في الشيء المادي شيئاً من روح الإحسان.
لأن المال حين يعبر من يدٍ إلى يد لا ينبغي أن يعبر وحده.
ينبغي أن تعبر معه رحمة الحنان علي يد المنان، وتلك اللمسة الخفية التي تجعل العطاء صلةً بين قلبين، لا مجرد إسقاطٍ لشيء من اليد.
ليصبح الدرهم أكثر من درهم، كما بدت الذرة عند التجاني أكثر من ذرة.
هذه الحميراء رأت في المعدن فرصة طاعة ينبغي تقديسها، وذاك الشاعر رأى في الذرة سرّاً بعيداً أراد أن يناله.
لتلتقي الإشارة بالإشارة، وينشأ ما نسميه: تعطير الكثيف.
ليس بأن نضيف شيئاً إلى الأشياء، لكن بأن نكتشف ما فيها مما حجبه عنّا اعتياد النظر.
فالكثافة ليست في المادة وحدها، قد تكون مما ران على القلب.
حين نرى المال مالاً فقط، والعمل عملاً فقط، والإنسان جسداً فقط، والسبب سبباً فقط، يصبح العالم ثقيلاً، وتصير الأشياء جدراناً عازلة.
أما حين تدخل النية والرحمة والبصيرة، يتحوّل الجدار السميك إلى نافذة نحو السماء.
لا يتغيّر الشيء، لكن يتغيّر العابر فيه.
ولهذا لم يكن عطر عائشة ترفاً، كان تربيةً للنظر: أن تعرف أن يدك لا تنقل مالاً فقط، إنما تنقل حالاً.
فقد يكون المال بارداً في يدٍ، ودافئاً في أخرى.
إهانةً في يدٍ، وكرامة في أخرى.
فائضاً يُلقى، أو رحمةً تُهدى.
عندها يصبح الإحسان أكثر من فعلٍ اجتماعي، يصبح طريقة للتعامل مع الله في رؤية الوجود كله.
ثم تتسع الدائرة: من الدرهم إلى الوردة، إلى الذرة، إلى النملة، إلى الإنسان، إلى ذلك السر الذي يجعل الأشياء أقرب إلى بعضها مما نظن.
فيقول التجاني: «ترَ كلَّ الكون لا يفتر تسبيحاً وذكرا»
يا لها من رؤية: أن يصبح الكون في عين البصيرة جوقةً لا تتوقف عن التسبيح.
الذرة لها همسها، وللوردة نشيدها، وللنملة سرّها، وللإنسان سؤاله.
وكل شيء يمضي بطريقته الخاصة الي ما يقرّبه إلى الله.
لكننا، وسط الضجيج، صرنا نسمع أصوات الأشياء ولا نسمع معانيها.
ربما نحتاج أن نصمت قليلاً: أن نطفئ بعض الشاشات، ونترك الأخبار خارج القلب، ونكفّ عن محاولة معرفة كل شيء.
فالصمت ليس فراغاً، قد يكون لحظة صقل لمرآتنا الداخلية.
حين يخف غبار الضجيج عن الروح، قد نسمع ما لم نكن نسمعه: ماءً يجري، ورقةً تتحرك، قلباً يخفق.
ثم يعود العالم إلى كونه الأول: “آيةً”.
وهنا لا يعود المطلوب أن نهرب من العالم كي نصل إلى المعنى، بل أن ندخل العالم ولا نفقد المعنى.
أن نعمل ولا نجعل العمل إلهاً، وأن نأخذ بالسبب ولا نجعل السبب رباً، وأن نحسب ولا ننسى ما لا يدخل في الحساب،
وأن نخطط ثم نترك في الفؤاد موضعاً للتوكل.
خذ بالأسباب بكل ما أوتيت من عقل وإتقان، لكن لا تمنح السبب قلبك.
فالسبب يجري، والسنة تعمل، والباب يُطرق، لكن الفتح ليس في الباب، والشفاء ليس في الزجاجة، والبركة ليست في المعدن.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها لا تنتهي دائماً بالنور.
فالتجاني بعد أن فتح الكون يأخذنا إلى عتمة الروح: «أظلمت روحي
ما عدت أرى ما أنا رائي»
فالعارف ليس من يرى دائماً.
قد يُرفع الإشراق، ويعود الحجاب، ليس لأن الحقيقة تغيّرت، إنما لأن القلب يمرّ بأحواله.
ولذا يتعلم الإنسان أن يحب الحق لأنه الحق، لا لأنه منحه لذة الشهود.
أن يعبد رب النور حتى حين يُحجب عنه النور، وأن يبقى في الطريق حتى حين لا يرى الطريق.
ثم يطل الموت، الكثيف الأخير، فيأخذ كل شيء: المال والاسم والصورة والجسد والضجيج.
حينها يسقط السؤال الأخير: ما الذي بقي؟
ربما بقيت النية، ربما بقي الأثر، ربما بقيت رحمة مرّت ذات يوم من يدٍ إلى قلب، أو درهمٌ معطّر، أو ذلك السر الذي طالما بحث عنه الإنسان في الذرة والوردة والنملة، ثم اكتشف أنه كان يبحث عنه داخل نفسه.
وهكذا نعود إلى البداية الأولي: إلى الذرة، وإلى الدرهم، وإلى تلك المسافة القصيرة بين أن ترى الشيء أو أن ترى فيه آية.
التجاني وقف عند الذرة فقال: «هذه الذرّة كم تحمل في العالم سرّاً».
وأم المؤمنين عائشة وقفت عند الدرهم فوضعت عليه قطرة عطر.
وبينهما يمتد طريق طويل، لكن معناه واحد: لا تقف عند الكثافة.
وراء الذرة سر، وراء الوردة عطر، وراء الدرهم رحمة، وراء الأسباب مسبّب.
لتصبح الهجرة من الكثيف إلى اللطيف ليست هجرةً من أرض إلى أرض، لكنها هجرةٌ من عبادة الأشياء إلى شهود الآيات، من صلابة الصورة إلى شفافية المعنى، من أن نرى العالم إلى أن نرى في العالم.
هذا هو سر الإحسان كله: أن تعيش بين الأشياء ولا تحجبك الأشياء.
أن تحمل الدرهم ولا يحملك الدرهم.
أن ترى الذرة ولا تصغر في عينك.
أن تمرّ بالوردة فتسمع سؤالها.
أن تأخذ بالأسباب وقلبك دائما أبدا مع مسبِّبها.
ثم تمضي هادئاً مطمئناً خفيفاً، وقد تعلّمت أخيراً أن الكون ليس جداراً كثيفاً بينك وبين الحقيقة، إنه، في أجمل لحظات الشهود، حجابٌ شفاف.
تراه، فتراه، ثم ترى من خلاله.
وحين يسكت الضجيج كله، قد تسمع ما سمعه التجاني: «كل ما في الكون يمشي في حناياه الإله»
فتعلم أن السر لم يكن بعيداً.
كان في الذرة، وفي الوردة، وفي الدرهم، وفي العطر، وفي القلب