علي أية حال، منذ أن كان النيلان يجيئان من جهتين، قبل يلتقيان هنا، لم يكن الماءان يلتقيان وحدهما.
كانا يجهران سراً بلغةٍ أقدم من الكلام: هنا «مجمع البحرين».
ومن هذا المقام نفسه، ربما، لا يبدأ النهر فقط، إنما يبدأ سرٌّ كبير.
سرٌّ يأبى أن يُختزل السودان في جغرافيا فائضة على خرائط العالم، أو في هامشٍ ألقاه التاريخ علي آخر صفحاته الغامضة.
صحيحٌ أنها صفحةٌ تبدو إلى اللحظة مؤجَّلة القراءة.
فالسودان أرضٌ يبدو ظاهرها مثقلاً بالرماد، بينما يخفي باطنها شيئاً يشبه الكنز.
كنزٌ سيظهر – في ظنّي – متى بلغ السودان أشدَّه: أقلَّ ادّعاءً، وأكثر معرفةً، وأشدَّ افتقاراً إلى الله.
فالسودان بلدٌ يُربَّى بالمحنة أكثر مما يُربَّى بالنعمة.
شأنه شأن كلِّ أرضٍ أُريد لها أن تحمل شيئاً من ثقل الروح؛ لا بد أن تُهذِّبها المقادير حتى لا يبقى فيها إلا ما يحتمل النور.
وقد يُخرج الله من قلب هذه المحنة معاني لا تصنعها المحنة وحدها، ويحوِّل انكسار الإنسان فيها إلى بابٍ لا يُفتح بالقوة.
ولعلّ سرَّ السودان ليس في كثرة ما يدّعيه، لكن في قلّة ادّعائه.
يكمن في الإنسان البسيط الذي لا يدري أنه يحمل سراً، في الفقير الذي لم يتعلَّم كيف يتحدّث عن فضله، في المرأة التي تحمل بيتها على ظهرها ثم تمضي، في النازح الذي خرج من داره، ولم يخرج وطنه من قلبه رغم وعثاء السفر.
إنه سرُّ الطينة الأولى، لا يكمن في النخبة، ولا في الشعار، ولا في تاج السلطان، إنما في القلب الذي لم تفسده أوهام المعرفة بنفسه.
ومن هنا يصبح تاريخ المقدَّس في السودان، ليس تاريخ رجالٍ ادَّعوا القداسة، لكنه تاريخ بشرٍ مرّت بهم فرص القداسة فلم يأبهوا لها.
أولياء بلا طواطم، تسبقهم أنوارهم، لو أقسموا على الله لأبرَّهم.
أرواحٌ مجهولة الأسماء مشت على هذا التراب، تركت على سيِّرِ الحياة العادية رائحة ذات عبق محبَّب.
قد وصف الشيخ عبد العزيز الدبّاغ حالهم في كتابه «الإبريز» فقال:
لذلك لا نحتاج أن نفتّش عن المقدَّس في الأبنية الفاخرة.
فقد نجده في بيت طينٍ انحنى ظهرُ صاحبه تقرّباً إلى الله، أو في ساقيةٍ شرب منها غريب تائه، أو في ظلّ شجرةٍ جلس تحتها عابر سبيل، أو في أمٍّ رفعت كفّيها إلى السماء لا تطلب أكثر من الستر والعافية.
هؤلاء هم الحفظة الذين تحدّث عنهم سيدي أحمد الرفاعي: