تتحوّل مدينة البتراء الأردنية، خلال الفترة من 12 إلى 16 أغسطس 2026، إلى فضاء للمسرح مع انطلاق الدورة التاسعة عشرة من مهرجان (عشيّات طقوس) المسرحية الدولي، الذي اختار المدينة الأثرية مكانًا لعروضه وفعالياته، جامعًا تجارب مسرحية من دول عربية وأجنبية.
ويشارك السودان في الدورة من خلال مجموعة (البراويز) المسرحية، التي تواصل نشاطها من المركز الاجتماعي في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتقدّم مسرحية (زهور منسية)، من تأليف عمر الحاج وإخراج محمد نعيم سعد. وتحمل المسرحية إلى المهرجان موضوعًا يرتبط مباشرة بالواقع السوداني الراهن، هو الحرب وما خلّفته من نزوح وفقد واقتلاع للإنسان من بيته ومكانه وذاكرته.
تنتمي (البراويز) إلى التجارب المسرحية السودانية التي حافظت على نشاطها خارج السودان، وقدّمت أعمالًا تتصل بالإنسان وقضاياه اليومية والتحوّلات التي يعيشها المجتمع. وتأتي مشاركتها في المهرجان للمرّة الثانية، بعدما شاركت في الدورة الثامنة عشرة عام 2025 بمسرحية (البراويز)، التي عُرضت على مسرح أسامة المشيني في عمّان، وحقّقت حضورًا لافتًا، إذ نالت ثلاث جوائز في التمثيل؛ فازت رحاب الكرّار بجائزة أفضل تمثيل، ونالت رؤى محمد نعيم سعد جائزة أفضل ممثّلة، فيما حصل عزوان لبيب على الدرع الذهبي في التمثيل، إلى جانب الإشادات التي وجدها العرض من النقّاد والمتابعين.
وتأتي عودة المجموعة هذا العام بعرض جديد، تعبيرًا عن إصرارها على مواصلة العمل المسرحي رغم الحرب في السودان وما أفرزته من نزوح وفقد واغتراب، ومحاولة لاستعادة أصوات الذين وجدوا أنفسهم خارج بيوتهم وأماكنهم، وتحويل تجربتهم إلى حكاية إنسانية على خشبة المسرح.
الفرقة اكملت الاستعدادات الفنية للعرض، وقد شهدت البروفات الأخيرة، قبيل توجّه الفريق إلى الأردن، حضور عدد من قامات المسرح السوداني، يتقدّمهم الفنان مكي سنادة، في مشهد عكس الدعم الذي تحظى به المشاركة وأهمية استمرار النشاط المسرحي السوداني رغم الظروف.
وقال الممثّل محمد جسكبة، في حديث لـ(مشاوير)، إن التحضيرات واللمسات الأخيرة لمسرحية (زهور منسية) اكتملت استعدادًا للوقوف على خشبة المسرح، مع اقتراب موعد عرضها ضمن فعاليات مهرجان (عشيّات طقوس) المسرحية الدولي في الأردن. وأعرب عن أمله في أن يتكلّل العمل بالنجاح، وأن تمثّل المجموعة السودان خير تمثيل، وتعود بما يليق بهذا العمل وبكل من وقف خلفه.
وأوضح جسكبة أن العمل يقوم في فكرته على ثنائية بين “الماء” بوصفه رمزًا للحياة، و”المجد” بوصفه خطابًا للحرب، ومنها تولد حكايات لم تُروَ بعد. وتأخذ المسرحية المتلقي، بحسب رؤيته، في رحلة إنسانية وفلسفية تتداخل فيها الحقيقة بالوهم، والنجاة بالانكسار، والأمل بالخسارة.
وأضاف أن العرض يضع شخصياته بين الجوع والعطش من جهة، وخطابات الحرب من جهة أخرى؛ فيتجاور صوت المطر مع صوت الرصاص، بينما يحلم طفل بجرعة ماء ويُلقّن آخر أناشيد المجد. وبين هذه المفارقة يقترب العمل من الإنسان الذي يجد نفسه عالقًا بين احتياجاته الأساسية وخطابات الحرب التي تفرض نفسها على حياته.
وتتناول المسرحية تجربة النزوح والفقد والاقتلاع من المكان، وتستعيد حكاية الإنسان الذي اضطر إلى مغادرة بيته ووطنه، تاركًا وراءه تفاصيل حياته وذكرياته، في وقت أصبحت فيه أبسط احتياجات الحياة جزءًا من مأساة الحرب. وتختصر الفرقة رؤيتها للعمل في عبارة: “زهور منسية.. حكاية عن الإنسان حين تصبح الحياة نفسها معركة”.
ويشارك في العرض الممثّلون رحاب الكرار، وغزوان لبيب، وإيمان عبد الكريم، وأشرقت، فيما كتب الأشعار محمد عبد الحي، ويشارك إمام حسن إمام في العملية الإخراجية إلى جانب المخرج محمد نعيم سعد. ويحمل العرض إهداءً إلى روح الفنان مختار بخيت، في تحيّة للذاكرة واستعادة للذين غابوا.
وتأتي المشاركة السودانية في وقت يواجه فيه المسرح والفن في السودان ظروفًا صعبة فرضتها الحرب، وأدّت إلى توقّف أنشطة مؤسّسات وفرق وتشتّت عدد من الفنانين والمبدعين. ومن خارج السودان، تحاول (البراويز) الحفاظ على حضور المسرح السوداني في الفضاء العربي، وتقديم جانب من التجربة السودانية بلغة فنية تتجاوز الخبر المباشر إلى الحكاية الإنسانية.
أما اختيار البتراء لاستضافة الدورة التاسعة عشرة، فلا ينفصل عن فلسفة المهرجان القائمة على الربط بين المسرح والمكان والذاكرة. فالمدينة الأثرية تمنح العروض فضاءً مختلفًا عن خشبة المسرح التقليدية، وتصبح جزءًا من التجربة، بما تختزنه من تاريخ وحضارة وأساطير وطقوس.
وتقام الدورة تحت رعاية وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة، وتشمل عروضًا مسرحية وورشًا تدريبية ومؤتمرًا فكريًا وندوات تعقيبية، إلى جانب مسارات تنافسية تشمل (عشيّات طقوس) والديودراما والمونودراما ومسار الشباب. ويشرف على المهرجان رئيس اللجنة العليا د.فراس الريموني، ورئيس فرقة طقوس المخرج عيسى الجراح، ومدير المهرجان المخرج واصف الدلالعة.
واستقبلت إدارة المهرجان ولجنة المشاهدة نحو 86 عرضًا مسرحيًا من دول عربية وأجنبية، تركّز في جانب منها على الطقوس والتراث الشعبي وتوظيف الفضاءات التاريخية والمفتوحة. وتتنافس الأعمال على جوائز أفضل عمل مسرحي، وأفضل إخراج وسينوغرافيا ونص وتأليف موسيقي، إلى جانب جوائز التمثيل بحسب المسارات المختلفة.
ويتضمّن البرنامج مؤتمرًا فكريًا بعنوان (السردية الأردنية والمسرح)، يناقش العلاقة بين الفنون السردية والمسرحية واستعادة الذاكرة التاريخية والمكانية. ويشارك في المؤتمر عدد من الأكاديميين والباحثين، إلى جانب أوراق حول البتراء بوصفها إحدى عجائب الدنيا السبع، والمسرح النبطي في السردية الأردنية. كما يضم البرنامج ورشًا تدريبية، من بينها ورشة (تكوين الممثّل في الفضاءات المفتوحة)، وندوات تعقيبية حول العروض المشاركة.
ويرتبط المهرجان بمشروع فرقة (طقوس) المسرحية، التي تأسّست عام 2001، وانشغلت منذ بداياتها بالعلاقة بين المسرح والموروث الحضاري والأسطوري، وقدّمت أعمالًا من بينها (كارمن)، و(سدرا)، و(العصاة)، و(طقوس الحرب والسلام)، و(هانيبال)، وغيرها.
وفي البتراء، تحضر (زهور منسية) امتدادًا لحضور المسرح السوداني خارج البلاد، لكنها لا تقدّم الحرب بوصفها خبرًا، بل بوصفها أثرًا يطال الإنسان والذاكرة والمكان. ومن مدينة حفظت حجارتها حكايات قرون، يستعيد العرض ما تهدّده الحرب بالنسيان: البيت، والماء، والطفولة، والوجوه، والأحلام الصغيرة، ليؤكّد أن المسرح يظل فعلًا في مواجهة الغياب، ومحاولة لحفظ ما يتساقط من الذاكرة، وتحويل وجع السودان من مأساة يومية إلى حكاية إنسانية مفتوحة.