جوزيف توكا علي: أربعون عاماً والرصاصة لم تجد طريقها إلى آخر الحكاية

عبد الجليل سليمان 

في النيل الأزرق، لا تبدو الأرض كأنها انتهت من تكوين نفسها. الماء يشق طريقه بين الجبال، والغابة تخبئ قرى كاملة في خضرتها وأدغالها، والحدود ليست خطًا مرسومًا على ورق، بل ممرًا قد يعبره جندي، أو لاجئ، أو بندقية، قبل أن ينتبه أحد إلى أن السودان انتهى وأن بلدًا آخر بدأ.

هناك، في ذلك الطرف الذي ظل بعيدًا عن عيون الخرطوم وقريبًا من قلب الحروب، خرج جوزيف توكا علي. رجلٌ يبدو كأنه لم يعش تاريخ السودان بقدر ما عبر في أحشائه، من حرب إلى حرب، ومن راية إلى راية، حتى صار عمره العسكري أطول من أعمار دولٍ قامت ثم سقطت.

بدأت الحكاية في ديسمبر 1985، حين وصلت إلى النيل الأزرق كتيبة «إيغل» بقيادة كاربينو كوانين بول، وكان مالك عقار بين رجالها. لم تكن الكتيبة قد جاءت لتكتب تاريخًا شخصيًا لأحد، لكنها فتحت في الإقليم بابًا لم يُغلق منذ ذلك الحين.

وفي مطلع العام التالي، كان جوزيف توكا بين أبناء النيل الأزرق الذين التحقوا بالحركة الشعبية. ذهب إلى لانكوي، ثم إلى بلفام في جنوب السودان، حيث أمضى أكثر من ستة أشهر في التدريب العسكري. عاد يحمل بندقية، لكن الحرب كانت قد بدأت تحمل اسمه معها.

رائحة البارود

في 21 يناير 1987 خاض توكا أول معركة له في زنقلي. ثم جاءت بابرس، وتوالت الأيام التي تعلم خلالها الشاب أن الحرب ليست صوت الرصاصة وحده، بل ما تتركه خلفها من صمت.

كان ضمن القوة التي قادها بيتر كوما لوين، ثم التقى جبريل كرمبا في داجو، ومن تلك البدايات تشكلت كتيبة «نشاب». بعدها ظهرت «ناموس» و«Tana Brigade»، وتبلورت الجبهة الخامسة للحركة في النيل الأزرق.

كان جيشًا ينمو مثل نبات بري بين الصخور؛ كلما اقتُلع فرع، نبت آخر. ومن بين أولئك الذين ظلوا واقفين كان توكا.

زمن قرنق

دخل توكا سنوات الحرب الأهلية الثانية داخل الجيش الشعبي لتحرير السودان، في الزمن الذي كان فيه جون قرنق يحاول أن يحول التمرد من بندقية في الهامش إلى مشروع سياسي اسمه «السودان الجديد».

كبرت الحركة، وكبر معها الرجل.

ثم جاء السلام الشامل في 2005، وانطفأت بنادق كثيرة مؤقتًا. بدا كأن البلاد وجدت أخيرًا بابًا للخروج. لكن السلام لم يمحِ أسباب الحرب؛ أخفى بعضها تحت الطاولة، وترك بعضها الآخر ينتظر.

بعد ست سنوات فقط، عاد الرصاص إلى النيل الأزرق. وكان الرجل قد صار واحدًا من الذين يعرفون الطريق إليه.

عودة النار

في 2011 اندلعت الحرب من جديد بين الحكومة والحركة الشعبية–شمال في النيل الأزرق وجنوب كردفان. لم يعد توكا ذلك الشاب الذي دخل زنقلي قبل ربع قرن. صار قائدًا عسكريًا له خبرة طويلة في الأرض والرجال والانسحاب والعودة.

ثم جاءت سنة 2017، وانشقّت الحركة الشعبية–شمال على نفسها.

في جهة كان مالك عقار وياسر عرمان. وفي الأخرى كان عبد العزيز الحلو. واختار توكا الأخير.

ولم يكن اختيارًا عابرًا.

في النيل الأزرق تحول الانقسام إلى صراع على المواقع والقوات، وأصبح المتمرد العنيد قائد الجناح الموالي للحلو في الإقليم.

سيطرت قواته على مواقع عدة، وكان يابوس أبرزها؛ تلك البلدة البعيدة التي ستصبح مع الوقت أقرب إلى اسم حركي آخر لجوزيف توكا.

يابوس

هناك، حيث تقترب الحدود الإثيوبية من جنوب السودان، لا تبدو يابوس نقطة صغيرة على الخريطة. إنها عقدة في جسد الإقليم؛ من يملكها يستطيع أن يرى أكثر من اتجاه، وأن يتحرك بين مسالك لا تعرفها خرائط الخرطوم جيدًا.

في تلك الجغرافيا رسّخ توكا سلطته العسكرية.

وبحلول 2021 كان موقعه داخل جناح الحلو قد أصبح واضحًا: النائب الأول لرئيس الحركة الشعبية–شمال، ونائب القائد العام للجيش الشعبي.

وفي حوار نشره موقع الحركة في 15 مارس من ذلك العام، اعلن الرجل عودته الى بداياته،؛ فبدا وكأنه يفتح صندوقًا قديمًا ويخرج للتو من زنقلي وبابرس ولانكوي وبلفام.

كان قد قطع خمسة وثلاثين عامًا منذ حمل البندقية الأولى. لكن السودان لم يكن قد اكتفى منه.

أبريل الأسود

في 15 أبريل 2023 اندلعت الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع، وبدأت البلاد في رسم خريطة جديدة بالمدفعية والطائرات والموت.

ظل النيل الأزرق هادئًا نسبيًا في البداية، لكن الهدوء السوداني غالبًا ما يكون مجرد تأجيل.

وفي يونيو من العام نفسه دخلت قوات توكا في عمليات جديدة؛ فظهرت أسماء ما كان أحد يعرفها: ديم منصور وخور البودي وجرط غرب، وتحولت منطقة الكرمك إلى مسرح جديد للقتال.

لم يعد جوزيف توكا قائدًا من أرشيف الحرب القديمة؛ صار واحدًا من وجوه الحرب الراهنة. وقد وثقت تقارير أممية وإخبارية تحركات قواته وسيطرتها على مواقع في جنوب شرقي النيل الأزرق.

ثم بدأ الفصل الأكثر غرابة في حكايته.

الحلف المستحيل

كان توكا قد أمضى معظم عمره العسكري في مواجهة الدولة السودانية. ثم جاءت حرب 2023 لتضعه في تحالف مع قوة أخرى قاتلت مع الدولة قبل أن تقاتلها: الدعم السريع.

لم يصبح توكا فردًا في الدعم السريع، ولم تبتلع قواته داخلها؛ بقي قائدًا لجناح الحركة الشعبية–شمال الموالي للحلو. لكن البندقية التي ظلت لعقود في خندق واحد ضد السلطة وجدت نفسها الآن في خندق مشترك مع خصم جديد للجيش.

في فبراير 2025 ظهر اسم توكا في نيروبي ضمن القوى التي وقعت «ميثاق تأسيس»، إلى جانب الدعم السريع وحلفائه، ثم انتقل التقارب السياسي إلى تعاون عسكري على الأرض.

هكذا، بعد قرابة أربعين عامًا من التمرد، دخل توكا حربًا جديدة بتحالف لم يكن أحد يتخيله في زمن قرنق.

قيسان

وفي 2026 صارت خريطة النيل الأزرق أكثر اشتعالًا. استولى تحالف تأسيس على الكرمك في مارس، قبل أن يفقدها مؤخراً، ثم تحركت العمليات باتجاه مناطق أخرى في جنوب وشرق الإقليم، بينما أصبحت قيسان واحدة من النقاط التي تدور حولها المعارك والحشود والإدعاءات.

هكذا عاد الرجل إلى المكان الذي صنعه “النيل الأزرق والماء والجبال والغابات والحدود، وكأن أربعين عامًا لم تكن كافية لكي يتعب المكان من الحرب، ولا لكي تتعب الحرب من جوزيف توكا.

آخر الرصاص

ثمة شيء غريب في سيرة هذا الرجل: كلما تغير السودان، وجد نفسه في قلب النسخة الجديدة من حربه.

دخل الحركة في 1986. خاض زنقلي في يناير 1987. عبر الحرب الأهلية الثانية. مرّ من سلام 2005. عاد إلى الحرب في 2011. اختار الحلو في انقسام 2017.

وقاتل في النيل الأزرق بعد 2023.

ثم وقف في 2025 إلى جانب تحالف «تأسيس»، قبل أن تصبح قواته في 2026 جزءًا من المعارك الممتدة حول الكرمك وقيسان.

أربعون عامًا، وما زالت البندقية تعرف الطريق إلى يده. لكن العمر الذي يطول داخل الحرب لا يصنع بالضرورة رجلًا يعرف كيف يخرج منها.

وهنا تبلغ الحكاية ذروتها.

فجوزيف توكا ليس فقط رجلًا يحمل تاريخ تمرد طويلًا؛ إنه واحد من أولئك الذين ابتلعتهم الحروب السودانية حتى صار الفصل بين سيرتهم وسيرة البلاد شبه مستحيل. كلما انفتح باب للسلام، وجدته الحرب في الباب التالي. وكلما تغيرت التحالفات، بقيت الأرض نفسها تحته.

في النيل الأزرق، لا تزال المياه تمضي إلى الأمام. أما الرجال، فقد يظلون أربعين عامًا في المكان نفسه، يبدلون الرايات ولا يبدلون السؤال.

جوزيف توكا يدخل الآن العقد الخامس من عمر الحرب السودانية الكبرى، وربما لهذا تبدو قصته كأنها لم تُكتب عن رجل واحد.

إنها قصة بلدٍ ظل يبدل أسماء الحروب، بينما يحتفظ بالرصاصة نفسها.

Exit mobile version