حضور القبيلة السياسي وخطاب الكراهية!

د. أحمد عثمان عمر 

العمل السياسي المنظم ، ضرورة أملاها واقع الصراع السياسي، وتطور المجتمعات في ظل النقلة التي حققتها الثورة الصناعية، التي فتحت الطريق أمام التنظيم على اسس وثيقة الصلة بالعمل المنتج ونمط الإنتاج، بمستوى أتاح ظهور النقابة الفئوية كجسم يدافع عن عضويته في مواجهة ارباب العمل، والحزب السياسي الممثل لشريحة اجتماعية مصالح أفرادها متماثلة ، والتعبير عنها يأخذ شكل مؤسسي يسعى للوصول إلى السلطة لتحقيق أهدافها. هذه المؤسسات المدنية التي نشأت مع بروز الرأسمالية واندثار الإقطاع، عرفت بمؤسسات المجتمع المدني، ونشأت في صلة وثيقة بحق المواطنة، وكرست نفسها كبديل لمؤسسات المجتمع الأهلي السابقة للرأسمالية ومنها القبيلة والطريقة الدينية او الصوفية. هذه المؤسسات ضرورية كرافعة للمطالبة بحقوق المواطنة، ولا غنى عنها كوسيلة لتحقيق دولة المواطنة، وفي غيابها لا يمكن قيام دولة سيادة حكم القانون، التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون ، وتعمل فيها مؤسسات الدولة وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة.

وفي غياب مثل هذه المؤسسات، تغيب اي فرصة للمساواة، وتتراجع الحقوق، ويستعصي البناء على اساس حقوق المواطنة. لذلك تبدأ السلطات الاستبدادية دائما عهدها بحلها ، ومطاردة وتشريد العاملين بها، وربما تصفيتهم جسديا في بعض الاحوال. والإنقاذ التي مثلت مشروع الحركة الإسلامية المجرمة، لم تكن استثناءا من هذه القاعدة. إذ أنها بمجرد استلامها السلطة عبر انقلاب، قامت بحل الأحزاب والنقابات ، وصفت كل مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، وصادرت جميع حقوق المواطنة، وبنت دولتها على اساس أيدلوجية دينية بائسة، متوهمة قدرتها على اعادة هيكلة المجتمع عبر وزارة التخطيط الاجتماعي التي تولاها نائب أمينها العام.

ومع هجمتها غير القانونية عبر تعطيل الدستور والقوانين ذات الصلة، هجمت على مؤسسة الدولة ومزقتها تمزيقا، عبر بناء دولة موازية اساسها اقتصاد طفيلي مواز ، ودمرت مفهوم المؤسسية على مستوى دستوري وأفرغته من محتواه، واختطفت جميع الأجهزة بما فيها الجيش.

هذا السلوك المتعمد، قوض المؤسسات التي تشكل حماية للمواطن في المجتمع المدني ، واستبدل الاقتصاد السياسي الحامل لها، وترك المواطن مكشوفا من اي حماية تنظيمية، وقزمه إلى مجرد رقم ضمن رعية بلا حقوق، مما جعله يلجأ إلى مؤسسات المجتمع الأهلي السابقة لظهور الرأسمالية. فشهدت تلك الفترة ظاهرة انعطافة كبيرة نحو التصوف، للاحتماء باهل الطريقة وممارسة حرية نسبية داخل منظومتها، في ظل تبعية اختيارية وليست قسرية للشيخ، وعودة ظهور القبيلة كفاعل سياسي تستقطبه السلطة، لدعم سلطانها غير الشرعي الباحث عن الشرعية. حيث لم ترعوي من ان تقوم بتوظيف الطريقة الصوفية والقبيلة، لتحقيق أهدافها السياسية.

فمؤسسات المجتمع الأهلي على عكس مؤسسات المجتمع المدني، تكرس تبعية المواطن عبر تبعية شيخ الطريقة الصوفية أو زعيم القبيلة للسلطة السياسية دون جدال او مناقشة.

لذلك حرصت الإنقاذ على تفكيك الوطن، بتدمير مؤسسات المجتمع المدني، عبر حل الأحزاب السياسية، وإصدار قانون نقابة المنشأة، الذي هدم الحركة النقابيّة وأفقدها فئويتها.

هذا بالطبع في المناطق الحضرية، اما في مناطق الريف ، فإن نفوذ النظام قد اصبح قوياً، حيث استغل التهميش وانخفاض مستوى الوعي، ووجود خلافات أزلية بين الراعي والمزارع عند شح الموارد ووجود جفاف، ليقوم بتجنيد الرعاة لضرب المزارعين المستقرين، وهذا ما حدث ويحدث في أزمة دارفور، حيث جندت الحركة الإسلامية المجرمة أبناء القبائل العربية في شكل مليشيا ، لمحاربة أبناء القبائل الإفريقية. وتوصيف الصراع بأنه تمرد، يتيح للسلطة غير الشرعية انتاج رؤية تقوم على توهم التمكن من الحل العسكري ، ويمكنها من التجييش على اساس قبلي، وخلق انقسام حاد وعنيف ، اساسه خطاب الكراهية المتبادل، مع استدعاء المرارات التاريخية بين القبائل ، لتصبح وقودا لحرب لا تبقي ولا تذر.

ويقيننا ان الحركة الإسلامية المجرمة، ظنت وكل ظنها اثم، بأن توظيفها للقبيلة واستدعائها عبر خطاب الكراهية ، مع توظيف طرق الصوفية الموالية لها، سوف يقيض لها السيطرة عبر التفريق على اسس سابقة لظهور الرأسمالية.

وتوهمت ان لها عاصم من تحول القبلية نفسها إلى اداة لانقسامها هي نفسها، وتكوين مراكز قوى داخل تنظيمها. ولكن قوانين المجتمع لم تسمح لها بذلك، حيث سحبت ما خلقته من انقسامات في المجتمع عليها ، وقسمتها هي نفسها على اساس قبلي ، حيث سعى كل قيادي بجد إلى ابتلاع الآخر وتأسيس إمبراطوريته التنظيمية، في صراع واضح حول ثروة التنظيم الضخمة التي بناها من التطفل وخلق اقتصاد مواز.

فالحركة الإسلامية المجرمة في سنوات تيهها وانحطاطها، استدعت الطريقة الصوفية والقبيلة لتصبح حواضن اجتماعية لها ، بعد ان انقسمت على نفسها، واحتاجت السلطة إلى حاضنة غير قواعد الحركة الإسلامية المجرمة.

والآن الانقلابي المزمن يمارس نفس التكتيك، فهو قد استدعى زعماء طرق صوفية ليصبحوا حاضنة اجتماعية له ، ويكونوا الخطة (ب) لمواجهة الحركة الإسلامية المجرمة باستمرار، ويشجع الاقتتال القبلي ويسعر نيرانه، عبر تأسيس المليشيات على اساس عرقي، وسحبها للقتال مع الجيش المختطف. ويشاركه في ذلك زعيم الجنجويد، الذي جند عضويته على اساس قبلي.

فالقبيلة لم تحضر في الساحة السياسية بقوة مصادفة، بل اسس لدخولها نشاط الرأسمالية الطفيلية، الذي خرب العملية الانتاجية، وادى إلى تراجع قيمة العمل وبالتبعيّة تراجع منظماته، وهدم مؤسسات المجتمع المدني وخلق فراغا سياسيا لا بد من ملئه، وجند زعماء القبائل والطرق الصوفية لتشكيل حاضنة اجتماعية له ، وللقتال إلى جانبه على اساس قبلي في مواجهة ابن سفاح آخر للإنقاذ والحركة الإسلامية المجرمة ، متمثل في الجنجويد.

والمطلوب هو اعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني من احزاب ونقابات وجماعات ضغط ومنظمات حقوق إنسان، وتجميعها كلها في جبهة قاعدية ، تقودها احدث مؤسساتها التي أنتجها الحراك الجماهيري والمعروفة ب”لجان المقاومة”، بالشراكة مع النقابات الفئوية المكونة ضد قانون المنشأة الذي شرعته الإنقاذ لتدمير الحركة النقابيّة والسيطرة عليها. وذلك لأن هذه الجبهة سوف تعيد الاصطفاف على اساس مؤسسي ، ينظم المجتمع المدني ، ويعيد مؤسسات المجتمع الأهلي لمواقعها الفعلية، بإبعادها من النشاط السياسي، لأن مؤسسات المجتمع المدني تقوم على اساس المواطنة ، وتعمل من اجل حماية تلك الحقوق والنضال من اجل نيلها والحفاظ عليها، في اطار حراك سلمي توحيدي، بعيدا عن خطاب الانقسام القبلي وخطاب الكراهية، الذي يواكب اي انقسام على اساس قبلي او ديني، حامله الأساسي تقسيمي معادٍ لحقوق المواطنة والمساواة أمام القانون.

Exit mobile version