عندما يتعاقد الهلال مع مدرب جديد أو لاعب جديد، نحاول نحن في الإعلام أن نظهر الجوانب الإيجابية، هذا أمر طبيعي وفلسفة نقدية ـ نقصد ذلك ونتعمده من أجل أن نخلق أرضية جيدة للوافد الجديد مدرباً كان أو لاعباً ـ الانطباع الحسن هو البداية الحقيقية للنجاح، لذلك لا ننكر أننا نكتب عن الظواهر الإيجابية في المدرب جوزيف زينباور، وهي ظواهر مساعدة ومباشرة، لا نختلقها من فراغ، حتى غاي بوكاسا عندما أشرف على الفريق الأول كنا نكتب عنه بصورة إيجابية وهي أيضاً كانت موجودة، لكن في كل كتاباتنا كنا نطالب بالتعاقد مع مدير فني صاحب اسم أكبر لقيادة الفريق الأول، وکنا نقول إن بوكاسا لا يصلح لذلك ـ لهذا نحن لم نكن نخدعكم، ولا نتماشى مع الموجة بفقه (بس تشيل فيني وتودي) أغنية صلاح بن البادية الخفيفة واللطيفة التي كتبها الصادق إلياس شاعر الجريف الذي جعل الجروف تشيل إلى جانب اللوبيا، أغنيات.
الإضافة التي أحدثها المدير الفني للهلال الألماني جوزيف زينباور هو أنه مدرب (حركي)، يتفاعل مع اللعبة واللاعب ويبدي جانباً تنفيذياً في النظري ـ زمان كنا نحب أستاذ العلوم الذي يقوم بتطبيق النظريات عملياً ـ وهنا أقف عند أستاذنا في المرحلة المتوسطة عبد الله سكر، كان يقوم بذلك، وكان ذلك الأستاذ الفاضل يقود فريق المدرسة في مسابقات كرة القدم المدرسية، لا أذكر له غير تجربة فاشلة واحدة، أذكر قبل مواجهة مدرسة الأهلية في النهائي أن أجرى لنا الأستاذ عبد الله سكر تدريبات على ضربات الجزاء، خلص بعدها أن أكون ضمن الخمسة الذين وقع عليهم الاختيار لتنفيذ الضربات الترجيحية إذا انتهت المباراة بالتعادل، رغم أني كنت حارس المرمى، وذهب أستاذنا الفاضل سكر أبعد من ذلك وقال إذا كانت هنالك ضربة جزاء احتُسبت لمدرسة المك نمر أثناء المباراة فإن الضربة سوف ينفذها هذا اللاعب وأشار نحوي، وأنا مدنقر في الواطة، رغم أن منتخب مدرستنا كان يضم أسماء كبيرة ومبدعة مثل كمال جمعة الذي اختير بعد ذلك لمنتخب الشباب السوداني وكان من أفضل الأسماء التي شاهدتها في كرة القدم السودانية وهو أسرع جناح شاهدته في حياتي ولولا الإصابة التي عطلته كثيراً، لكن كمال جمعة الآن من بين الأسماء المعروفة في تاريخ كرة القدم السودانية، وهو خريج كلية الاقتصاد جامعة الخرطوم ـ كمال جمعة كان موهبة وعلماً وأخلاقاً، فيه كل الجماليات وكان زول فنان ليس في كرة القدم فقط، بل في كل شيء كان فنان. مباراتنا أمام الأهلية انتهت بالتعادل، ولجأنا للضربات الترجيحية وكنت الوحيد الذي أضاع الضربة بعد أن اصطدمت الكرة بالقائم، وهذه هي التجربة الوحيدة التي فشل فيها معلمنا عبد الله سكر ـ أقول للزملاء في الدفعة حتى وقتنا هذا إن مرمى ملعب المباراة لم يكن قانونياً، مع أني كنت معروفاً بين الزملاء أني (أشتر) ـ المباراة كانت تلعب في ملعب الأهلي شندي وهو ميدان المولد الذي تقبل عليه مدينة شندي كلها وضواحيها في هذه الأيام ـ حلاوة المولد في شندي لقيا وألفة ومحبة، ليست مجرد سمسمية وفولية وهريسة.
أعود إلى زينباور وأقول إني أفضّل المدرب الحيوي والحركي والذي يقوم بتطبيق نظرياته عملياً على الملعب ـ زينباور يفعل كل ذلك، وهو إلى جانب ذلك عنده شخصية وكاريزما ـ يبدو وكأنه لعب بجوار صديق منزول ونصر الدين عباس جكسا.
كذلك هنالك حميمية تجمع بينه ولاعبي الهلال ـ والحميمية هي أفضل لغة يمكن أن يوصل بها المدرب خططه وتدريباته للاعبين، إذا لم ينجح المدرب في أن يخلق صلة أو لغة خاصة بينه وبين اللاعبين فإنه لن يستطيع أن ينجح.
قيل إن فيرجسون مدرب مانشستر يونايتد التاريخي صنع ألفة بينه وبين الأدراج في غرفة ملابس اللاعبين، إذا نجح في ذلك مع الأدراج كيف يكون الوضع مع اللاعبين؟
وقيل إن فينغر المدرب التاريخي لأرسنال، كان يخاطب قمصان أرسنال، ويقول للاعبيه عندما يطلب منهم شيئاً عظيماً أو شيئاً يبدو مستحيلاً ـ أنا أطلب ذلك من قمصانكم ومن شعار الأرسنال، قمصانكم قادرة على ذلك لأنها تعرف قيمة الأرسنال، وكان اللاعبون بعد ذلك يشعرون بالخجل ويتحولون إلى وحوش في الملعب.
المدرب فلسفة.. إذا لم يكن المدرب فيلسوفاً فسوف يحول غرفة ملابس اللاعبين إلى معركة حربية.. والمعركة الحربية يجب أن تكون في الملعب لا في غرفة اللاعبين.
أعتقد أن الفرصة مؤاتية للهلال لصناعة إنجاز فريد سوف يكون جوزيف زينباور على رأسه.
لا تبحث عن شيء مختلف في كرة القدم بدون مدرب مختلف ـ يسعدني أن أقول لكم زينباور مدرب مختلف.. كذلك أنا على قناعة أن أقصر طريق لنجاح المدرب في أي فريق هو أن ينجح في أن يخلق محبة، ليس بينه وبين اللاعبين فقط، بل بينه وبين الإعلام والجمهور كذلك.
أخطر صعوبات ومطبات يمكن أن تواجه المدرب هو الرفض له داخل الفريق وعدم مساندة الإعلام والجمهور له ـ لذلك نقول إن نجاح داركو في المريخ صعب لأنه فقد الدعم والمساندة.
آخر تجليات زينباور أنه ضم المعد البدني الدكتور عمر بن أونيس إلى جهاز الهلال الفني وهو شريك زينباور في الإنجاز الذي حققه الرجاء المغربي حينما فاز بالدوري المغربي دون هزيمة وفاز في نفس الموسم بكأس العرش، الأجمل من ذلك أن المعد البدني التونسي الذي أعلن الهلال التعاقد معه لمدة عامين عمل في المغرب في الرجاء وفي الجيش الملكي وعمل في تونس في النجم وفي الأفريقي وفي الملعب وفي البنزرتي وفي المنتخب الأولمبي التونسي، هذه تجارب صعب أن تتوفر لمدرب لياقة في سن عمر بن أونيس الذي حصل على هذه الخبرات إلى جانب درجته العلمية والأكاديمية الرفيعة.