مقالات

البرهان .. حين يتحول التصفيق إلى مرآة للحاكم 

صديق الدخري 

قد يكون من الصعب فهم القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من خلال السياسة وحدها.

الرجل الذي وصل إلى قمة السلطة بعد أن كان اسما عسكريا محدود الحضور في الشارع، مرّ خلال سنوات قليلة بتحولات كبيرة. ومن يتابع ظهوره وخطابه وعلاقته بالذين يحيطون به، يمكن أن يطرح سؤالا مختلفا ماذا فعلت السلطة بهذا الرجل؟

هذه ليست محاولة لتشخيص البرهان نفسيا، فهذا أمر لا يمكن الجزم به من الخارج، لكنها محاولة لقراءة بعض سلوكياته باعتبارها انعكاسا لعلاقة طويلة ومعقدة مع السلطة والاعتراف والقبول.

عندما ظهر البرهان في واجهة المشهد بعد سقوط البشير، لم يكن الرجل من الشخصيات التي خرجت الثورة وهي تعرفها أو تنتظرها.

جاء إلى المشهد من داخل المؤسسة العسكرية، في لحظة كان فيها الشارع يرفع سقف رفضه للجيش ولرموز النظام السابق.

وجد نفسه رئيساً لمجلس السيادة، بينما كانت صورته عند قطاعات واسعة من السودانيين أقرب إلى صورة الرجل الذي جاء من المؤسسة العسكرية لا الرجل الذي اختاره الشارع.

حتى داخل الجيش، لم يكن البرهان، بحسب الصورة التي كانت متداولة وقتها، من أصحاب الحضور الطاغي بين الضباط. كانت هناك أسماء أكثر شهرة ونفوذاً منه. وفجأة وجد نفسه في أعلى موقع سياسي في البلاد.

ثم جاءت الفترة الانتقالية، وظهر البرهان في كثير من الأحيان وكأنه يقف في منطقة رمادية: لا هو قائد سياسي كامل، ولا هو مجرد قائد عسكري. ظل الشارع يشكك فيه، وظلت صورته مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بينما كان حمدوك وحكومته يحظيان بالمساحة الأكبر من الاهتمام السياسي والإعلامي.

بعد انقلاب أكتوبر 2021، تغير كل شيء.

لم يعد البرهان مجرد رئيس لمجلس السيادة في مرحلة انتقالية مرتبكة. أصبح الرجل الأول في المشهد، وبدأت تتشكل حوله مجموعات تهتف باسمه وتستقبله في المدن والمناطق والفعاليات. صار يرى بعينيه شيئاً ربما لم يكن متاحاً له من قبل: حشود تهتف، وأشخاص يتسابقون إلى الاقتراب منه، وصور ترفع باسمه.

وهذه النقطة مهمة.

فالإنسان الذي ظل سنوات يشعر بأن الآخرين لا يرونه، أو لا يمنحونه القيمة التي يعتقد أنه يستحقها، قد يجد في السلطة تعويضاً هائلاً. والتصفيق في هذه الحالة لا يصبح مجرد تصفيق؛ يتحول إلى اعتراف.

ربما لهذا تبدو بعض المشاهد حول البرهان لافتة أكثر من قيمتها السياسية المباشرة. عندما يخرج وسط مجموعة من الناس فيهتفون له، أو يظهر بينهم في مناسبات شعبية، فإن المشهد يمكن أن يقرأ سياسياً، لكنه يمكن أيضاً أن يقرأ باعتباره جزءاً من بناء صورة جديدة للرجل عن نفسه.

الصورة تقول له ببساطة، أنت الآن شخص مهم. الناس تريدك. الناس تهتف لك.

لكن المفارقة أن بعض الذين يحيطون به اليوم ليسوا بالضرورة أصحاب قيمة سياسية كبيرة. ومع ذلك، فإنهم يؤدون وظيفة واضحة: يمنحونه ذلك الشعور الذي تحتاجه السلطة باستمرار، وهو الشعور بأن هناك من يقف خلفها.

وهنا تبدأ المشكلة.

الحاكم الذي يصبح محاطا بمن يقولون له دائماً إنه على حق، يفقد تدريجياً القدرة على سماع ما يقوله الناس خارج دائرته.

ولعل تجربة البشير تقدم مثالاً قريباً، مع اختلاف الظروف. البشير نفسه بدأ حياته السياسية بخطاب ديني شديد الحماس، ثم دخل في صراعات مع حلفائه الإسلاميين، وأعاد ترتيب السلطة من حوله. ومع مرور السنوات، أصبحت شبكة الولاءات والهتافات والمؤتمر الوطني جزءاً من نظام كامل يحافظ على وجوده.

لكن البرهان بدأ من مكان مختلف. لم تكن لديه دولة مستقرة، ولا حزب جماهيري، ولا مشروع سياسي واضح يحمل اسمه. وصل إلى موقع القيادة في بلد خرج لتوه من ثلاثين عاماً من حكم البشير، ثم وجد نفسه بعد ذلك في مواجهة شارع ثائر، وانقلاب، ثم حرب.

ولهذا ربما أصبحت المؤسسة العسكرية بالنسبة إليه أكثر من مجرد مؤسسة. أصبحت مصدر الشرعية الوحيد الذي يمكنه الاعتماد عليه.

ومن هنا نفهم الإصرار على الظهور وسط الجنود، وفي مواقع الجيش، وفي المناسبات العسكرية، والاحتفال بما يعتبره انتصارات. هذه المشاهد تمنح الرجل شيئا يحتاج إليه سياسياً ونفسياً في الوقت نفسه: الإحساس بأنه ما زال ممسكاً بالدولة.

لكن السودان الذي يظهر في هذه الصور ليس بالضرورة السودان الذي يراه المواطن العادي.

هناك سوداني آخر يعيش في معسكر نزوح، أو يبحث عن دواء، أو ينتظر خبرا عن قريب اختفى، أو يحاول العودة إلى بيت لم يعد موجودا. وهناك مدن دمرتها الحرب، وأسر فقدت مصادر رزقها، وملايين خرجوا من مناطقهم بلا أن يعرفوا متى يعودون.

لهذا تبدو بعض مظاهر الاحتفال الرسمي أو الشعبي منفصلة بصورة مؤلمة عن حياة الناس.

المشكلة ليست في أن يأكل الرئيس العصيدة، أو يشرب القهوة، او العرديب أو يمشي بين المواطنين. هذه أشياء طبيعية في أي مجتمع. المشكلة عندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة، وعندما يتحول الاحتفال إلى طريقة لإثبات أن كل شيء بخير بينما البلاد تنزف.

وهنا يمكن أن يصبح السلوك السياسي نفسه مؤشرا على حالة أعمق: الحاجة المستمرة إلى إثبات المكانة.

قد يكون البرهان اليوم محاطاً بأشخاص يهتفون له أكثر مما هو محاط بأشخاص يختلفون معه. وهذا، على المدى الطويل، خطر على أي حاكم. لأن الهتاف يمنحك شعوراً سريعا بالانتصار، لكنه لا يخبرك بما يحدث خارج المنصة.

وقد يكون أكثر ما يحتاج إليه البرهان، إذا أراد فعلا أن يفهم السودان، هو أن يسمع الأشخاص الذين لا يهتفون له.

أن يسمع النازح.

أن يسمع أم فقدت ابنها.

أن يسمع الطبيب الذي يعمل بلا إمكانات.

وأن يسمع المواطن الذي لا يريد أن يعرف من انتصر في الخطاب، وإنما يريد أن يعرف متى تنتهي الحرب.

السلطة يمكن أن تعطي الإنسان كل شيء تقريبا، لكنها تستطيع أيضاً أن تعزله عن الواقع من دون أن يشعر.

وهنا تكمن خطورة الحالة البرهانية.

ليس لأننا نستطيع أن نقول إن الرجل “مريض نفسياً” ، فهذا حكم لا يملكه صحفي ولا محلل سياسي، وإنما لأن سنوات السلطة قد تكون صنعت حوله دائرة مغلقة رجال يصفقون، وآخرون يبحثون عن رضا السلطة، ومؤسسة عسكرية تمثل مصدر شرعيته، وحرب تمنحه باستمرار مبررات جديدة للبقاء في مركز المشهد.

وفي مثل هذه الدائرة يصبح الخروج منها صعباً.

قد لا يكون البرهان هو الرجل الذي خطط منذ البداية ليصل إلى هذا المكان. لكنه وصل إليه، ثم بدأ يتكيف معه، ثم أصبح المكان جزءاً من صورته عن نفسه.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يريد البرهان من السودان؟

بل أيضا: ماذا فعلت السلطة بالبرهان؟

ربما يحتاج السودان، قبل أن يبحث عن إجابة لهذا السؤال، إلى أن يتذكر أن القائد الذي ينجح في جمع مئات الأشخاص حوله ليس بالضرورة قائداً نجح في جمع بلد كامل.

فالبلاد لا تقاس بعدد الذين يهتفون للرئيس، وإنما بعدد الذين يستطيعون أن يعيشوا بأمان من دونه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع