أعلن د.ياسر يوسف إبراهيم عن صدور كتابه الجديد (سقوط الإنقاذ.. ثمن المواقف والأخطاء)، الذي يتناول تجربة الإنقاذ الوطني في السودان خلال الفترة من 1989 إلى 2019، في قراءة تاريخية تحليلية يراجع فيها مسار التجربة من داخلها، مستنداً إلى موقع مؤلّفه في العمل السياسي والتنفيذي والإعلامي خلال تلك الفترة. ويبحث الكتاب في العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخارجية التي راكمت الضغوط على النظام، وصولاً إلى سقوطه في إبريل 2019، بعيداً عن اختزال النهاية في سبب واحد.
وتنبع أهمية الكتاب من موقع مؤلّفه داخل التجربة؛ فلم يكن ياسر إبراهيم مراقباً من خارجها، بل كان جزءاً من بنيتها السياسية والتنفيذية والإعلامية، بحكم انتمائه المعلن إلى الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وتدرّجه في العمل السياسي والتنظيمي، وتوليه أمانة الإعلام بالحزب ومهام الناطق الرسمي باسمه، ثم وزير الدولة بوزارة الإعلام، ووالي الولاية الشمالية. ومن هذا الموقع، يقدّم المؤلّف قراءة لتجربة شارك في بعض مؤسساتها وعايش جانباً من خطابها وصناعة قرارها، قبل أن يعود إليها بالمراجعة والتحليل بعد نهايتها.
ويقوم الكتاب على مفهوم “الإنهاك” باعتباره إطاراً لتفسير الكيفية التي أضعفت بها الضغوط المتراكمة قدرة النظام على التجديد والاستجابة للتحديات وإنتاج المبادرات. ويستفيد في ذلك من منهج تاريخي تحليلي ومقاربات حديثة، بينها نظرية الإجهاد عند هانز سيلي، ونظرية تضخّم النخب عند بيتر تورشن، إلى جانب بعض مفاهيم علم النفس الاجتماعي ودراسات التحوّل السياسي.
ويعود الكتاب إلى الجذور الفكرية والسياسية للحركة الإسلامية وظروف وصولها إلى السلطة، ويتوقف عند “الاستراتيجية القومية الشاملة”، وأطروحة الشريعة، ومحاولة أسلمة الاقتصاد والجهاز المصرفي، والفارق بين الطموح النظري للمشروع وشروط الواقع السوداني. كما يبحث في الشرعية والحرّيات والعدالة الاجتماعية والخدمة المدنية وسياسات التمكين والصالح العام، باعتبارها ملفات تحوّلت مع الوقت إلى مصادر استنزاف سياسي وأخلاقي واتساع للمسافة بين النظام وقطاعات من المجتمع.
ويحتل الاقتصاد مساحة مقدّرة من صفحات الكتاب، من عائدات النفط وأوجه إنفاقها وبيع شركة موبيتل، إلى تكلفة سد مروي، والعقوبات وفقدان النفط والتحوّلات الاقتصادية الأخيرة. كما يحلّل عشرة مشروعات كبرى في الزراعة والصناعة والبنية التحتية والكهرباء والسدود والاتصالات، محاولاً الموازنة بين ما تحقّق وما يراه من إخفاقات في التخطيط والتنفيذ والإدارة.
وفي ملف الهوية، يتناول الكتاب إدارة التنوّع والعلاقة بين المركز والأطراف، وتطور أزمتي جنوب السودان ودارفور، وتحوّل الهوية إلى إطار لتفسير الصراعات السياسية والتنموية، إلى جانب تأثير الأدبيات الغربية ومراكز الدراسات والجامعات في مفاهيم المركز والهامش والتفاوت التنموي.

أما العلاقات الخارجية، فيتناولها فصل (الإنقاذ والخارج: قراءة فوق جدار العزلة)، من سؤال الاستهداف الخارجي وحدوده، إلى علاقات السودان بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية، ودور دول الخليج في المرحلة الأخيرة.
وفي “مشهد الختام”، يتتبع الكتاب فترة ما بعد المفاصلة، وإعادة بناء الحزب والحركة والحكومة، وتغيّر مراكز القوة وآليات القرار، والخلافات الداخلية، وكلفة البقاء، ودور المعارضة والحوار الوطني والضغوط الخارجية. ويرى أن السنوات الأخيرة شهدت انتقالاً تدريجياً لمركز القرار نحو المؤسّسة العسكرية والأجهزة الأمنية، بالتزامن مع تراجع القدرة على إنتاج الحلول السياسية، وصولاً إلى السقوط في أبريل 2019.
ويضع الكتاب أمام القارئ أسئلة ظلّت حاضرة في النقاش السوداني: هل كان السودان مستهدفاً؟ أين ذهبت عائدات النفط؟ ما حقيقة التفاوت التنموي، خصوصاً في دارفور؟ وماذا فعلت سياسات التمكين والصالح العام بالدولة؟ وكيف يمكن فهم القرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى؟
ولا يرد المؤلّف سقوط الإنقاذ إلى مؤامرة خارجية أو فشل اقتصادي أو صراع داخلي منفرد، وإنما يراه حصيلة تفاعل عوامل متعدّدة. وفي خلاصته، يذهب إلى أن التجربة بدأت بطاقة فكرية وتنظيمية عالية، قبل أن تستنزفها الصراعات الداخلية والأزمات الاقتصادية والحروب والضغوط الخارجية وتراجع كفاءة المؤسسات والنخب، لتدخل في حالة متصاعدة من “الإنهاك” انتهت ببلوغ حدودها التاريخية.
ويمنح مسار ياسر يوسف الكتاب خصوصيته؛ فهو يراجع مشروعاً كان جزءاً من مؤسساته ومرجعيته، محاولاً الإجابة عن سؤال يتجاوز “لماذا سقط النظام؟” إلى سؤال أعمق: كيف استُنزفت تجربة بدأت بطاقة سياسية وفكرية كبيرة، ولماذا عجزت بعد ثلاثة عقود عن تجديد نفسها والاستجابة للتحوّلات التي أحاطت بها؟
ويكتسب الكتاب أهمية إضافية من كونه يتيح النظر إلى تجربة الإنقاذ من داخلها؛ فهو لا يكتفي بتوثيق ما جرى، وإنما يقدّم فرصة لقراءة الكيفية التي ينظر بها بعض المشاركين في التجربة إلى مسارها وأخطائها ونهايتها، وما الذي بقي من رؤيتها بعد ثلاثة عقود من الحكم.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع